رغم غياب أي اتفاق رسمي بين إسرائيل وسوريا في مجال الطاقة، تشير ترتيبات إقليمية متزايدة إلى أن الغاز الإسرائيلي بات يصل إلى الأراضي السورية بصورة غير مباشرة، عبر الأردن ومصر، في نموذج يحقق احتياجات اقتصادية ملحة لكنه يتجنب الكلفة السياسية للتعامل المباشر بين البلدين.
ويكشف هذا الواقع عن معادلة معقدة؛ فمن جهة تحتاج سوريا إلى مصادر مستقرة للطاقة لإعادة تشغيل قطاع الكهرباء بعد سنوات الحرب، ومن جهة أخرى تفضل جميع الأطراف الإبقاء على هذا التعاون في إطار غير معلن، بما يجنّبها تبعات سياسية ودبلوماسية داخلية.
كيف يصل الغاز إلى سوريا؟
في مطلع عام 2026، وقع الأردن اتفاقية لتزويد سوريا بالغاز عبر خط الغاز العربي، دون أن تحدد الاتفاقية مصدر الإمدادات بصورة صريحة.
لكن معطيات سوق الطاقة في المنطقة تشير إلى أن الأردن يعتمد بشكل كبير على الغاز الإسرائيلي لتلبية احتياجاته، ما يجعل جزءًا من الغاز الواصل إلى سوريا ذا منشأ إسرائيلي، وإن كان يُقدَّم ضمن ترتيبات إعادة بيع أو مبادلة تشمل الأردن ومصر، وتُسوَّق سياسيًا باعتبارها إمدادات إقليمية.
ويمنح هذا النموذج جميع الأطراف مساحة للإنكار السياسي، إذ تحصل دمشق على الغاز دون إعلان تعاون مباشر مع إسرائيل، فيما توسع إسرائيل صادراتها من دون توقيع اتفاق رسمي مع دولة لا تزال في حالة عداء معها.
لماذا تفضل الأطراف المسار غير المباشر؟
يوفر النموذج الحالي مزايا عملية للطرفين. فالحكومة السورية تستطيع معالجة جزء من أزمة الكهرباء دون مواجهة انتقادات داخلية مرتبطة بالتطبيع، بينما تتجنب إسرائيل الدخول في اتفاق قد يثير جدلًا سياسيًا داخليًا بشأن تصدير الغاز إلى دولة لا تعترف بها رسميًا.
كما يمنح الأردن ومصر دورًا محوريًا في إدارة حركة الغاز داخل المنطقة، بما يعزز مكانتهما كممرين رئيسيين لتجارة الطاقة في شرق المتوسط.
لكن الغموض له ثمن
ورغم مرونة الترتيبات غير المباشرة، فإنها تطرح تحديات تتعلق بأمن الإمدادات.
فبالنسبة لسوريا، تصبح استمرارية وصول الغاز مرتبطة بقرارات دول العبور، ما يقلل من قدرتها على المطالبة بحقوقها في حال حدوث انقطاع أو خلاف سياسي.
أما إسرائيل، فتفقد جزءًا من قدرتها على متابعة وجهة الإمدادات أو فرض شروط تتعلق بالاستخدام النهائي أو آليات التعامل مع الأزمات، في مقابل مساهمتها غير المباشرة في استقرار قطاع الطاقة السوري.
هل يصبح العقد المباشر خيارًا مطروحًا؟
يرى بعض المتخصصين أن الاتفاق المباشر قد يوفر وضوحًا أكبر بشأن الكميات والأسعار وآليات الدفع وتسوية النزاعات، كما قد يفتح الباب أمام تعاون أوسع في قطاع الطاقة يشمل مستقبلًا لبنان وربما مشاريع إقليمية أخرى.
إلا أن هذا السيناريو يصطدم بعقبات سياسية كبيرة.
ففي إسرائيل، لا يزال الجدل قائمًا حول حجم صادرات الغاز وتأثيرها في الاحتياطي المحلي، خاصة بعد الاتفاقيات طويلة الأجل مع مصر، في حين تخشى دمشق أن يُفسر أي عقد مباشر على أنه خطوة نحو التطبيع قبل التوصل إلى تسوية سياسية أشمل، تشمل ملفات عالقة مثل الجولان والعلاقات الثنائية.
الطاقة… بوابة للتقارب أم أداة لإدارة الخلاف؟
تكشف تجربة الغاز بين إسرائيل وسوريا أن التعاون الاقتصادي قد يتقدم أحيانًا على المسار السياسي، لكن من دون أن يلغيه.
فالغاز يتدفق بالفعل عبر شبكة إقليمية معقدة، إلا أن الأطراف تفضل إبقاء هذا التعاون في إطار فني وغير مباشر، بما يحقق احتياجاتها الاقتصادية ويقلل في الوقت نفسه من الكلفة السياسية.
وفي ظل استمرار التعقيدات الإقليمية، يبدو أن نموذج “التعاون دون اعتراف” سيظل الخيار الأكثر واقعية في المدى المنظور، إلى أن تتغير الظروف السياسية بما يسمح بتحويل العلاقات غير المعلنة إلى اتفاقات رسمية وواضحة.






