تزايد اعتراف الدول بدولة فلسطين، كما يتضح من الخطوات الأخيرة التي اتخذتها كولومبيا ومالطا، وما رافقها من تحركات داخل منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية، يعكس تحوّلاً تدريجياً في المزاج الدولي تجاه القضية الفلسطينية، ويتضمن دلالات سياسية عميقة قد تُسهم، ولو جزئياً، في إعادة صياغة مسارها على الساحة العالمية.
تصاعد الدعم الرمزي والدبلوماسي لفلسطين
هذا الاعتراف لا يمكن فصله عن سياق الحرب في غزة، التي أعادت تسليط الضوء على المأساة الفلسطينية بشكل غير مسبوق، ودفعت بالعديد من الدول – خاصة تلك التي تنتمي إلى المعسكر التقدمي أو الجنوب العالمي – إلى اتخاذ مواقف أكثر جرأة. قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب كولومبيا مع إسرائيل، وتعيين سفير في فلسطين، يعكس تغيراً نوعياً وليس شكلياً، خصوصاً عندما يصدر عن رئيس يساري مثل غوستافو بيترو، الذي ينتمي لتجربة نضالية مشابهة.
التحركات مثل رفع العلم الفلسطيني في منظمة الصحة العالمية، بدعم من دول كبرى مثل الصين والسعودية، تشير إلى تصاعد الدعم الرمزي والدبلوماسي لفلسطين داخل مؤسسات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من رمزية هذه الخطوات، إلا أنها تبني زخماً سياسياً من شأنه أن يُحرج الدول الكبرى التي ترفض الاعتراف بفلسطين، ويضعها في موقف دفاعي أمام شعوبها والمجتمع الدولي.
اختلال ميزان القوة العسكرية
التحولات الغربية البطيئة نحو الاعتراف، كما هو حال فرنسا التي تدرس الاعتراف بدولة فلسطين، تُعد إشارة مهمة. فهي توحي بأن الدعم الغربي التقليدي لإسرائيل لم يعد صلباً كما في السابق، بل أصبح خاضعاً لضغوط سياسية داخلية (منظمات حقوقية، مجتمع مدني، أكاديميين) وضغوط دولية متزايدة.
لكن في المقابل، من المهم التمييز بين الرمزية السياسية والقدرة الفعلية على التأثير في موازين القوى على الأرض. الاعتراف بدولة فلسطين لا يُغيّر من واقع الاحتلال الإسرائيلي، ولا من الانقسام الفلسطيني الداخلي، ولا من اختلال ميزان القوة العسكرية والاقتصادية. إلا أن هذه التحركات تساهم في نقل القضية من كونها صراعاً محصوراً بين طرفين إلى قضية ذات بعد عالمي تتصل بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
تجاهل الحقوق الفلسطينية
الضغوط الدولية، حين تكتسب طابعاً جماعياً ومنسقاً، يمكن أن تُحدث فرقاً. لكن حتى اللحظة، هذا الضغط ما يزال غير كافٍ لإجبار إسرائيل – التي تملك شبكة تحالفات قوية في الغرب – على تقديم تنازلات جوهرية. ومع ذلك، تزايد عدد الدول التي تعترف بفلسطين يعزز شرعيتها السياسية، ويضع إسرائيل في موقع المتهم دولياً، ويخلق بيئة أكثر استعداداً لتبني حلول سياسية على أساس الدولتين، ولو على المدى المتوسط أو البعيد.
الاعترافات المتلاحقة لا تُغيّر الواقع فوراً، لكنها تؤسس لمعادلة جديدة: حيث لم يعد بالإمكان تجاهل الحقوق الفلسطينية أو طمسها تحت ذريعة الأمن أو مكافحة الإرهاب. هذا الزخم يمكن أن يتحوّل إلى أداة ضغط فعالة إذا استُثمر جيداً فلسطينياً وعربياً، في إطار استراتيجية موحدة وذكية، تُحسن مخاطبة المجتمع الدولي بلغة القانون والعدالة، وتعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الضمير العالمي.





