في تطور يعكس اهتمامًا دوليًا بمسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، حملت رسالة السفارة الأمريكية في بغداد إلى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي أبعادًا تتجاوز مجرد التهنئة البروتوكولية، لتبدو بمثابة إعلان دعم سياسي مشروط، ورسالة مراقبة دقيقة لمسار المرحلة المقبلة.
وأكدت السفارة الأمريكية، في رسالة علنية، دعمها لمساعي الزيدي لتشكيل حكومة قادرة على تلبية تطلعات العراقيين، مشددة على أهمية بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، مع التركيز على صون سيادة العراق، وتعزيز الأمن، ومواصلة جهود مكافحة الإرهاب.
وجاءت الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، وسط تحديات سياسية داخلية، وضغوط إقليمية متشابكة، ما منحها أبعادًا سياسية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى مؤشرات على توجهات واشنطن إزاء الحكومة المقبلة.
رسائل أبعد من التهنئة
ورغم الطابع الداعم للرسالة، رأى مراقبون أن مضمونها حمل رسائل متعددة، أولها أن الولايات المتحدة تتابع عن قرب عملية تشكيل الحكومة، وثانيها أن الدعم الأمريكي مرتبط بوجود حكومة قادرة على تحقيق الإصلاح، والحفاظ على التوازن في علاقات العراق الخارجية.
حديث السفارة عن “الأهداف المشتركة” و”الفوائد الملموسة للأمريكيين والعراقيين” لم يُقرأ فقط في سياق التعاون الثنائي، بل اعتُبر إشارة إلى استمرار الشراكة الاستراتيجية، وربما تمهيدًا لدعم اقتصادي وأمني أوسع إذا نجحت الحكومة الجديدة في تثبيت الاستقرار.
كما حملت الرسالة، بحسب متابعين، تأكيدًا أمريكيًا على أن الحكومة المقبلة ينبغي أن تكون بعيدة عن الاستقطابات الحادة، وقادرة على إدارة الملفات المعقدة، داخليًا وإقليميًا.
الزيدي أمام اختبار التوازن الصعب
تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة جاء في لحظة سياسية دقيقة، حيث يواجه رئيس الوزراء المكلّف اختبارًا مزدوجًا: تشكيل حكومة تحظى بغطاء سياسي داخلي، والحفاظ في الوقت ذاته على توازن العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة.
ويُنظر إلى الزيدي باعتباره شخصية توافقية تحمل خلفية اقتصادية وإدارية، وهو ما عزز رهانات بعض القوى على قدرته في إدارة مرحلة انتقالية حساسة، خاصة في ظل أزمات اقتصادية وأمنية متشابكة.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، أبرزها التوفيق بين مطالب الداخل العراقي، وضغوط التوازنات الإقليمية، والتعامل مع ملفات السيادة والسلاح والعلاقات الخارجية، وهي ملفات ستكون حاسمة في تقييم نجاح حكومته المرتقبة.
السيادة والأمن والإصلاح
وأعادت الرسالة الأمريكية التأكيد على ثلاث أولويات رئيسية: حماية سيادة العراق، تعزيز الشراكة الأمنية لمواجهة الإرهاب، ودعم مستقبل اقتصادي أكثر استقرارًا.
ويرى محللون أن ترتيب هذه الأولويات لم يكن عشوائيًا، بل يعكس رؤية واشنطن لدور الحكومة المقبلة، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والسيادة على بقية الملفات، في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة.
كما أن الإشارة إلى مستقبل “مزدهر” تفتح الباب أمام قراءة اقتصادية للرسالة، خاصة في ما يتعلق بالاستثمارات، وإعادة تحريك ملفات التعاون الاقتصادي والبنية التحتية، وهي ملفات قد تشكل محورًا مهمًا في العلاقة بين بغداد وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.
دعم أم ضوء أخضر سياسي؟
في الأوساط السياسية، برزت تساؤلات حول ما إذا كانت الرسالة مجرد دعم دبلوماسي، أم أنها تحمل ما يشبه “الضوء الأخضر” الدولي ل علي الزيدي.
بعض القراءات رأت فيها مؤشرًا على قبول أمريكي مبكر بشخصية رئيس الوزراء المكلّف، وربما دعمًا لمسار سياسي بعينه، خصوصًا مع حساسية لحظة التكليف وما يحيط بها من تجاذبات.
وفي المقابل، يعتبر آخرون أن الرسالة ليست تفويضًا سياسيًا بقدر ما هي إعلان مراقبة مشروط، مفاده أن الدعم قائم، لكنه مرتبط بأداء الحكومة المقبلة ومدى التزامها بمسار الإصلاح والاستقرار.
حكومة تحت الاختبار منذ اللحظة الأولى
ورغم الرسائل الإيجابية، يبدو أن الحكومة المرتقبة ستولد تحت ضغط التوقعات العالية. فالتحديات الاقتصادية، والملفات الأمنية، وتعقيدات التوازنات الداخلية، تجعل أي حكومة جديدة أمام اختبار مبكر.
كما أن الرسالة الأمريكية، وإن حملت دعمًا واضحًا، وضعت سقفًا مرتفعًا للتوقعات، وربطت بين الشرعية السياسية للحكومة المقبلة وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.
ومع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، تبدو بغداد أمام مرحلة قد تعيد رسم معادلات الداخل العراقي، بينما تراقب القوى الدولية والإقليمية ما إذا كان الزيدي قادرًا على تحويل رسائل الدعم إلى واقع سياسي مستقر.




