في مشهد مؤلم يختزل معاناة قطاع غزة المحاصر، توفيت الطفلة رزان أبو زاهر، ذات الأربعة أعوام، اليوم الأحد، نتيجة مضاعفات سوء التغذية والجوع الحاد، ما يشكّل صورة صارخة للكارثة الإنسانية المتفاقمة بفعل الحرب المستمرة وسياسات الحصار الإسرائيلي المشددة. الطفلة، التي لفظت أنفاسها الأخيرة في مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، تمثل وجها من وجوه المأساة الجماعية التي يعيشها نحو مليون طفل في غزة، يعاني عشرات الآلاف منهم من الجوع وانعدام الرعاية الطبية.
الموت في غزة
التدهور الحاد في الوضع الغذائي والصحي للمدنيين في غزة لم يعد يُقاس بالأرقام فقط، بل بملامح الأطفال الذين تحوّلت أجسادهم إلى ما يشبه الهياكل العظمية، وبأنين المرضى الذين يُحرمون من أبسط سبل العلاج. تشير التقارير الطبية من داخل المستشفيات إلى أن القطاع بات يشهد “مجاعة فعلية”، حيث تعالج الطواقم الصحية مئات الحالات يوميًا لأطفال وكبار يعانون من سوء التغذية الحاد والإجهاد الشديد، بل وحتى فقدان الذاكرة الناتج عن الجوع، في ظل انهيار شبه تام للنظام الصحي وعدم توفر الأسرّة أو الأدوية الكافية.
وفق ما أعلنته وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ عدد الأطفال الذين قضوا بسبب الجوع وسوء التغذية 71 طفلًا، فيما تجاوز عدد الشهداء من منتظري المساعدات الغذائية 900 شهيد. وتشير هذه الأرقام إلى أن الموت في غزة لم يعد مرتبطًا فقط بالقصف المباشر، بل بات يحصد الأرواح بصمت، عبر تجويع المدنيين وخنق سبل الحياة الأساسية.
انهيار سلاسل الإمداد
وتُعدّ أزمة الغذاء في غزة نتيجة مباشرة ومتسارعة لحصار خانق ومتعمد، يعطل دخول المساعدات الإنسانية، وخاصة المواد الغذائية والأدوية. ومنذ بداية الحرب، تم منع مئات الشاحنات الإغاثية من الدخول، أو عُطلت في المعابر لأسابيع، ما أدى إلى انهيار سلاسل الإمداد وارتفاع كبير في معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال دون سن الخامسة. وتقدّر وكالة “الأونروا” أن سوء التغذية الحاد الشامل تضاعف خلال الفترة من مارس حتى يونيو، حيث تم تشخيص أكثر من 5,500 حالة، إضافة إلى 800 حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم، ما يؤكد أن الخطر يزداد عمقًا واتساعًا مع مرور كل يوم دون تدخل فاعل.
وفي تصريحات متلفزة، وصف الدكتور خليل الدقران، المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، ما يجري بأنه “استخدام متعمد للغذاء والدواء كسلاح حرب”، موضحًا أن آلاف المرضى، وخاصة ممن يعانون أمراضًا مزمنة كالقلب والسكري والفشل الكلوي، لا يتلقون الحد الأدنى من العلاج أو التغذية، ويواجهون الموت في أي لحظة.
منظمات حقوق الإنسان ووكالات الأمم المتحدة حذرت مرارًا من تحول الوضع في غزة إلى “كارثة من صنع الإنسان”، محملة المجتمع الدولي مسؤولية فشله في ضمان إدخال المساعدات وتوفير الحماية للمدنيين، خصوصًا الأطفال. وبرغم هذه التحذيرات، لا تزال المواقف الدولية غارقة في بيانات القلق، دون أن تُترجم إلى ضغط فعلي لفتح المعابر أو إنشاء ممرات آمنة للمساعدات.
الطفولة مرحلة زمنية قصيرة
إن استمرار هذا الوضع ينذر بمزيد من الوفيات بين الأطفال، وبكارثة صحية طويلة الأمد لن تقتصر على سوء التغذية، بل ستطال نمو الأجيال المقبلة، وقدرتهم على التعلم والحياة الطبيعية. فالمجاعة لا تقتل فقط بالجوع، بل بما تتركه من عجز جسدي ونفسي دائم في ضحاياها.
خلاصة المشهد أن غزة تُترك لتجوع ببطء، في ظل صمت دولي مخزٍ، بينما تحوّلت المستشفيات إلى محطات أخيرة للموت، لا للعلاج، وأصبحت الطفولة في القطاع مجرد مرحلة زمنية قصيرة تنتهي إما بالقصف أو بالجوع. الحل لا يكمن في المسكنات أو الإدانات اللفظية، بل في كسر الحصار فورًا، وتوفير ممرات إنسانية عاجلة ومنتظمة، فكل تأخير يعني مزيدًا من القبور المفتوحة لأطفال لم يعرفوا من الحياة سوى الألم.






