يشير التوغّل الإسرائيلي الأخير في جنوب وشرق دير البلح إلى تصعيد ميداني لافت في مسار العمليات العسكرية بقطاع غزة، إذ تدخل القوات الإسرائيلية ولأول مرة منذ بدء الحرب إلى مناطق لم تُستهدف ميدانيًا بهذا الشكل من قبل. يأتي هذا التحرك في ظل مزاعم إسرائيلية بوجود رهائن أحياء تحتجزهم حركة “حماس” في هذه المنطقة، ما يضيف تعقيدًا إضافيًا إلى المشهد العسكري والإنساني المتدهور أصلًا.
نزوح جماعي
التصعيد لم يكن مجرد تحرك بري معزول، بل ترافق مع قصف عنيف استهدف ثمانية منازل وثلاثة مساجد، وأسفر عن مقتل ثلاثة فلسطينيين في حصيلة أولية، إضافة إلى سقوط مزيد من الضحايا لاحقًا، بينهم أسرة كاملة قضت في خيمة بخان يونس. عمليات القصف لم تقتصر على محيط دير البلح، بل امتدت إلى مناطق أخرى مثل جباليا وخان يونس، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف، في وقت تشهد فيه المنطقة موجات تهجير جديدة لعشرات العائلات.
وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن أوامر الإخلاء الأخيرة تسببت في نزوح جماعي من دير البلح، وهي منطقة يقدر عدد سكانها ما بين 50 إلى 80 ألف شخص. هذا النزوح يضاف إلى سلسلة من التهجيرات القسرية التي تعرض لها سكان غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حيث تُظهر الإحصاءات أن أكثر من 87% من مساحة القطاع باتت تحت أوامر إخلاء أو تصنف كمناطق عسكرية مغلقة، مما يترك 2.1 مليون مدني محصورين في بقعة صغيرة لا تتجاوز 12% من مساحة القطاع، وسط انهيار كامل في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
تضاعف من حجم المأساة
في هذا السياق، تحذر الأمم المتحدة من أن هذا الوضع يُقيد بشكل حاد قدرة فرق الإغاثة على الحركة الآمنة، ما يصعّب بشكل كبير وصول المساعدات الإنسانية، في وقت تعاني فيه غزة من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه.
من الناحية العسكرية، تبرر إسرائيل هذا التوغل بحتمية “تدمير قدرات العدو” والبحث عن الرهائن، لكنها تمتنع حتى الآن عن دخول بعض الأحياء داخل دير البلح خوفًا من تعريض الرهائن المحتملين للخطر، بحسب مصادرها الرسمية. هذه المعادلة المعقدة تضاعف من حجم المأساة، حيث يدفع المدنيون ثمنًا باهظًا في ظل استراتيجيات عسكرية متضاربة بين البحث عن الرهائن، وتكثيف الضغط على “حماس”، واستمرار سياسة الأرض المحروقة.
انهيار مقومات الحياة
على المستوى الإنساني، بلغ عدد القتلى في قطاع غزة منذ بدء الحرب أكثر من 58 ألف شخص، معظمهم من المدنيين، وفق آخر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة، والتي لا تزال تُعد موثوقة من قبل الأمم المتحدة. هذا الرقم، إلى جانب نسب الدمار والتشريد، يعكس تحول القطاع إلى منطقة منكوبة بالكامل.
المشهد في دير البلح وما حولها هو امتداد لواقع أوسع تشهده غزة منذ أشهر، حيث تتضافر العمليات العسكرية المكثفة مع الانهيار الإنساني والتضييق المستمر على الحركة والوصول، لتشكّل حالة من العجز الكلي أمام أي استجابة طارئة أو تحرّك دولي فعال. وبينما تتذرع إسرائيل بمخاطر أمنية ومصير الرهائن، يبقى السكان المدنيون في غزة محاصرين بين نيران المعارك وانهيار مقومات الحياة، في ظل صمت دولي متواصل وعجز أممي متزايد.






