في قطاع غزة، حيث الحرب لا تترك مجالاً للراحة، والمجاعة تحكم قبضتها على الأرواح، تطفو إلى السطح حكايات صامتة تقصها العيون وترويها الإشارات، بعيداً عن لغة الكلام التي لا يمتلكها بعض الأطفال، ليس لضعف في الحنجرة، بل لأنهم ولدوا بذلك الاختلاف العميق الذي اسمه “التوحد”.
من بين ركام الحرب وأشلاء الحياة اليومية، برزت قصة المصور الصحفي مجدي قريع، الذي لم يكتب عن مشهد قصف أو جريمة ارتكبها الاحتلال، بل تحدث عن وجع خاص جداً، عن ابنه المصاب بالتوحد، الذي لم يفهم معنى الحرب، لكنه فهم الجوع. لم يستطع التعبير عن معاناته بكلمات، فجاء إلى والده يضرب بيده الصغيرة على بطنه، في صرخة صامتة تختصر كل الألم: “أنا جائع”.
صرخة بلا صوت
كانت هذه الضربة على البطن بمثابة ناقوس خطر يعلو فوق ضجيج الطائرات والانفجارات، صرخة بلا صوت ولكنها أكثر تعبيراً من آلاف الكلمات. قال قريع إن ابنه لم يكن يسأل عن الطعام يوماً، فقد كان يومه مليئاً بالنشاطات العلاجية والرياضية والترفيهية، بين المؤسسة التأهيلية وملعب اليرموك والمسبح، في روتين ساعد على تفريغ طاقته وتحسين سلوكه. لكن كل ذلك اختفى فجأة. الحرب دمرت الأماكن، والنزوح شلّ الحياة، والجوع حلّ ضيفاً ثقيلاً لم يرحل.
ليست هذه القصة استثناءً في غزة. إنها مجرد نافذة صغيرة على معاناة كبيرة تخفي خلفها مئات القصص المشابهة لأطفال التوحد الذين يواجهون مجاعة لا يفهمون سببها، وواقعاً قاسياً لا يستطيعون تفسيره أو التأقلم معه. في ظل انقطاع المساعدات الغذائية ومنع دخول حليب الأطفال، أصبح الحصول على لقمة عيش معركة يومية، حتى بالنسبة للأطفال الذين لا يستطيعون أن يطلبوها بالكلمات.
استغاثة بلا مُجيب
أطفال التوحد بحاجة إلى بيئة آمنة ومستقرة، إلى نظام روتيني، إلى طعام ودواء وعلاج نفسي وسلوكي، بينما لا يملك أطفال غزة منهم سوى القصف والخوف والجوع. يحتاجون إلى رعاية خاصة، لكن المؤسسات المتخصصة توقفت، والمراكز أُغلقت، والكوادر شُرّدت أو استُشهدت. أما الأسر، فهي بالكاد تستطيع توفير ما يسد الرمق لأطفالها، فكيف إذا كان الطفل لا يأكل إلا نوعاً معيناً من الطعام؟ كيف إذا كان لا يحتمل أصوات الانفجارات أو التغييرات المفاجئة في بيئته؟
تتضاعف المعاناة النفسية لهؤلاء الأطفال مع كل غارة جوية، ومع كل نداء استغاثة لا يجد من يجيبه. وتزداد وطأة الأزمة على أهاليهم الذين يشعرون أنهم يفقدون أبناءهم مرة ثانية، ليس بسبب قذيفة، بل بسبب الانهيار البطيء لمكتسباتهم النفسية والسلوكية التي قضوا سنوات في بنائها.
التفاعل الكبير مع قصة قريع سلط الضوء على هذه الفئة المنسية وسط الحرب. علق كثيرون بأن أطفال التوحد في غزة ليسوا رقماً، بل وجوهاً وقلوباً تنبض وسط الظلام، وأن الصمت الذي يرافقهم لا يعني الغياب، بل هو شكل آخر من الصراخ يطلب الخلاص.
أين المنظمات الحقوقية
وفي خضم هذا الألم، تتعالى الأسئلة التي لا تلقى إجابة: أين المنظمات الحقوقية التي طالما تحدثت عن حقوق ذوي الإعاقة؟ أين الضمير العالمي أمام جوع لا يميز، أمام حرب تُشن بلا هوادة على الضعفاء؟ أين الطفولة حين يصبح الخبز أمنية، والصمت علامة على انهيار داخلي لا يُرى؟
قصة الطفل المصاب بالتوحد في غزة هي في جوهرها قصة شعب يُحاصر بالجوع، ويُحرم من الإنسانية، ويُسحق بصمت. لكنها أيضاً تذكير بأن المعاناة لها وجوه كثيرة، بعضها لا ينطق، لكنه يبكينا أكثر من كل الكلمات.






