لم تقتصر تداعيات المواجهة بين إسرائيل ولبنان على الخسائر البشرية والدمار العمراني، بل امتدت إلى مواقع أثرية وتاريخية تمثل جزءًا من الذاكرة الثقافية للبلاد. فمع استمرار الضربات منذ عام 2023، تعرضت معالم تاريخية في الجنوب اللبناني لأضرار متفاوتة، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من فقدان إرث حضاري يعود إلى آلاف السنين.
وفي مواجهة هذه المخاطر، حصلت عشرات المواقع الثقافية اللبنانية على حماية معززة بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954، وهو ما يمنحها وضعًا قانونيًا خاصًا ويشدد على ضرورة تجنيبها الأعمال العسكرية.
الآثار بين الدمار والحماية الدولية
تعد مدينة صور، المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، من أبرز المواقع التي تأثرت بالضربات التي شهدها جنوب لبنان، حيث لحقت أضرار بعدد من المعالم الأثرية الواقعة بالقرب من مناطق الاستهداف.
ويرى مختصون أن هذه المواقع لا تمثل تاريخ لبنان وحده، بل تشكل جزءًا من التراث الإنساني، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية تتجاوز الحدود الوطنية إلى المجتمع الدولي بأكمله.
التراث… أكثر من حجارة قديمة
بالنسبة لسكان الجنوب، لا تقتصر قيمة المواقع الأثرية على بعدها التاريخي أو السياحي، بل ترتبط بالهوية الجماعية والذاكرة المحلية.
ويقول كثير من الأهالي إن هذه المعالم كانت تمثل فضاءات للحياة اليومية، ومقصدًا للزوار من داخل لبنان وخارجه، الأمر الذي يجعل الأضرار التي لحقت بها خسارة ثقافية ونفسية إلى جانب الخسائر المادية.
النبطية… الأسواق التاريخية في دائرة الاستهداف
لم تقتصر الأضرار على المواقع الأثرية، بل امتدت إلى الأسواق القديمة في مدينة النبطية، التي تُعد من أبرز المعالم التراثية في جنوب لبنان.
ويرى سكان المنطقة أن تدمير هذه المباني يهدد بإزالة معالم ارتبطت بتاريخ المدينة وحياتها الاقتصادية والاجتماعية لعقود طويلة، فيما تؤكد إسرائيل أنها تستهدف أهدافًا عسكرية ضمن عملياتها في المنطقة.
دعوات لتحرك دولي
في ظل اتساع الأضرار، تتزايد الدعوات إلى قيام المنظمات الدولية المختصة بدور أكثر فاعلية في حماية المواقع الثقافية اللبنانية، سواء من خلال التوثيق أو المراقبة أو دعم أعمال الترميم بعد انتهاء الأعمال العسكرية.
ويؤكد مسؤولون في قطاع الآثار أن الحفاظ على التراث الثقافي لا يتعلق بحماية الأبنية التاريخية فحسب، بل بصون هوية المجتمعات التي ارتبطت بهذه المواقع عبر أجيال متعاقبة.
حين تصبح الهوية ضحية للحرب
تكشف الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية في جنوب لبنان أن الحروب لا تقتصر آثارها على الإنسان والبنية التحتية، بل تمتد إلى التاريخ والذاكرة الجماعية. فكل معلم يتعرض للتدمير يمثل خسارة لجزء من الإرث الثقافي، ويجعل مهمة الحفاظ على الهوية أكثر صعوبة في مرحلة ما بعد الصراع.






