في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تتفاقم الأزمة الإنسانية يومًا بعد يوم، لتصل إلى مستويات كارثية غير مسبوقة، كما يؤكد ذلك تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). فقد بات البحث عن الغذاء في غزة مغامرة محفوفة بالموت، حيث يضطر المدنيون، في ظل حصار خانق وانعدام الموارد، إلى المخاطرة بحياتهم لمجرد محاولة الحصول على لقمة تسد رمقهم، وسط إطلاق نار يومي على الحشود من قبل القوات الإسرائيلية.
تقلص المساحة الآمنة للعيش
ورغم كل الدعوات الإنسانية، تواصل إسرائيل فرض قيود مشددة على إدخال المساعدات، بينما تقلصت المساحة الآمنة للعيش بفعل التهجير القسري إلى أقل من 12% من مساحة القطاع، ما حول غزة إلى ما يشبه سجنًا مفتوحًا يعيش داخله أكثر من مليوني إنسان. في هذا المشهد، بدت الأسواق شبه خالية من المواد الغذائية، وإن توفرت بعض السلع فهي بأسعار باهظة تفوق قدرة الغالبية العظمى من السكان، الذين فقدوا مصادر دخلهم ومساكنهم.
التحذيرات الصادرة عن “أوتشا” تعكس مستوى الخطر الداهم الذي يواجه سكان غزة، إذ بات الحرمان الجماعي من الغذاء والرعاية الصحية والمأوى أمرًا اعتياديًا. فكل يوم يحمل مزيدًا من الوفيات التي كان يمكن تجنبها، ويجلب نزوحًا جديدًا لعائلات اضطرت إلى الانتقال مرارًا من مكان إلى آخر هربًا من القصف أو نتيجة قرارات التهجير، لكنها في النهاية لا تجد مأمنًا ولا مقومات للحياة.
سوء التغذية الحاد
وفي هذا السياق، شدد مكتب “أوتشا” على أن وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق ليس مجرد مسألة إغاثية، بل هو التزام قانوني وأخلاقي على المجتمع الدولي تحمل مسؤوليته، داعيًا إلى تسهيل عاجل لإدخال الإغاثة وتوفير الحماية للمدنيين، خاصة الأطفال والنساء.
تقرير مركز إعلام الأمم المتحدة يصف واقعًا مرعبًا تنهار فيه آخر سبل الحياة، فالمجتمع الغزي المحاصر يعاني من ثلاثية الجوع والمرض والنزوح. الأطفال هم أكثر الفئات تضررًا، إذ يُسجل ارتفاع مقلق في حالات سوء التغذية الحاد، بينما لا تجد الأمهات الجائعات ما يرضعن به أبناءهن، في مشهد ينذر بكارثة إنسانية تهدد جيلاً بأكمله.
الوجبات البسيطة تحولت إلى شريان حياة
وفي ظل هذا الانهيار، لم يبقَ أمام كثير من العائلات سوى اللجوء إلى المطابخ المجتمعية المحدودة، التي بالكاد تستطيع توفير وجبة بسيطة واحدة يوميًا، غالبًا ما تكون من العدس، لتشكل الحد الأدنى من البقاء على قيد الحياة. هذه الوجبات البسيطة تحولت إلى شريان حياة أخير في ظل انهيار شبه كامل لنظام الإمدادات الغذائية.
ما يجري في غزة ليس فقط أزمة إنسانية، بل اختبار حقيقي للضمير العالمي. فالصمت عن موت جائع أو احتضار طفل بلا دواء هو مشاركة ضمنية في الجريمة، والكارثة في غزة لا تنتظر المزيد من البيانات، بل تحتاج إلى أفعال حقيقية توقف الحرب وترفع الحصار وتفتح الطريق أمام شريان حياة يكفل للمدنيين حقهم الأساسي في البقاء.






