اقتربت الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى مذكرة تفاهم تمثل أول خطوة عملية نحو إنهاء الحرب التي ألقت بظلالها على منطقة الشرق الأوسط لأكثر من ثلاثة أشهر، وأثرت بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وفي الوقت الذي أكد فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الاتفاق بات “أقرب من أي وقت مضى”، ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية توقيع الاتفاق خلال عطلة نهاية الأسبوع، في إشارة إلى تقدم ملموس في المفاوضات الجارية بين الجانبين.
ويُنظر إلى هذه المذكرة باعتبارها إطاراً أولياً لوقف التصعيد العسكري وفتح الباب أمام تسوية سياسية أوسع، تتناول الملفات الأكثر تعقيداً بين البلدين، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية الأميركية.
إعادة فتح مضيق هرمز ووقف القتال
بحسب ما كشفه مسؤولون إيرانيون ومصادر إقليمية مطلعة على مسار المفاوضات، فإن الاتفاق الأولي يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية في الخليج العربي.
كما ينص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية في مختلف الجبهات المرتبطة بالصراع، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، لمدة 60 يوماً، وهي الفترة التي ستُخصص لإجراء مفاوضات سياسية وفنية بشأن القضايا العالقة بين الطرفين.
ويمثل فتح مضيق هرمز نقطة محورية في التفاهمات الجديدة، نظراً لأهمية الممر المائي الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. ومع ذلك، أكدت طهران أن الوضع الجديد لن يكون مطابقاً لما كان عليه قبل الحرب، مشيرة إلى أنها ستواصل الإشراف على حركة الملاحة وقد تفرض مستقبلاً رسوماً على السفن العابرة.
المذكرة تمهد لاتفاق سلام دائم
أكد عراقجي أن التفاهم المطروح يتكون من مرحلتين أساسيتين؛ الأولى تتمثل في توقيع مذكرة تفاهم لوقف الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية، بينما تتعلق الثانية بالتفاوض على اتفاق سلام دائم يعالج جذور الأزمة.
وبموجب هذا الترتيب، سيتم تأجيل حسم الملف النووي إلى جولة ثانية من المفاوضات، فيما ستتركز المرحلة الحالية على تثبيت وقف إطلاق النار وضمان استمرار الملاحة البحرية وإيجاد أرضية مشتركة للحوار السياسي.
ويرى مراقبون أن هذا المسار يمنح الطرفين فرصة لخفض التوتر وتجنب مواجهة أوسع قد تمتد إلى دول أخرى في المنطقة، خاصة بعد أشهر من المواجهات العسكرية والضربات المتبادلة.
العقوبات والنفط في صدارة المرحلة المقبلة
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الجولة التالية من المحادثات ستتناول ملفات أكثر حساسية، أبرزها العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، وخاصة تلك المرتبطة بصادرات النفط والتحويلات المصرفية الدولية.
وتسعى طهران إلى الحصول على تخفيف ملموس للعقوبات التي أثرت بشدة على اقتصادها خلال السنوات الماضية، بينما تطالب واشنطن بضمانات صارمة تتعلق بالأنشطة النووية الإيرانية. ويُتوقع أن تكون هذه الملفات الأكثر تعقيداً خلال المفاوضات المقبلة، نظراً لتشابكها مع مصالح داخلية وإقليمية ودولية واسعة.
ورغم التقدم الدبلوماسي، شهدت الأيام الأخيرة استمرار العمليات العسكرية بين الجانبين. فقد نفذت الولايات المتحدة سلسلة من الضربات الجوية داخل إيران، قالت إنها جاءت للضغط على طهران ودفعها نحو قبول شروط السلام.
كما أعلن الجيش الأميركي استهداف مواقع إيرانية رداً على إسقاط مروحية أميركية قرب مضيق هرمز، فيما أفادت وسائل إعلام إيرانية بتعرض منشآت مياه للشرب لأضرار كبيرة نتيجة الغارات، ما أدى إلى انقطاع المياه عن آلاف السكان في جنوب البلاد.
وتعكس هذه التطورات حجم التوتر الذي سبق الوصول إلى التفاهمات الحالية، وتوضح أن المفاوضات جرت بالتوازي مع استمرار الضغوط العسكرية المتبادلة.
أربع قضايا حاسمة تحدد مستقبل الاتفاق النووي
ورغم الاتفاق على تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة، فإن المفاوضات المستقبلية ستدور حول أربع نقاط رئيسية تعد حجر الأساس لأي اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران.
أولى هذه القضايا تتعلق بتخصيب اليورانيوم، حيث تطالب الولايات المتحدة بوقف طويل الأمد لعمليات التخصيب قد يصل إلى 20 عاماً، بينما أبدت إيران استعداداً لمناقشة فترة أقل.
أما القضية الثانية فتتمثل في مصير مخزون اليورانيوم المخصب الموجود لدى إيران، والذي تقدر كميته بنحو 11 طناً. وتصر واشنطن على ضرورة التعامل مع كامل المخزون ضمن أي اتفاق مستقبلي، بينما لا تزال طهران متحفظة بشأن التفاصيل النهائية.
تفكيك المنشآت النووية والتفتيش المفاجئ
ويتعلق الملف الثالث بالمواقع النووية الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان، حيث تطالب الولايات المتحدة بتفكيك هذه المنشآت أو تعطيلها بصورة تمنع استئناف الأنشطة الحساسة مستقبلاً.
في المقابل، تسعى إيران إلى الاحتفاظ بجزء من بنيتها النووية باعتباره حقاً سيادياً، وهو ما قد يشكل إحدى أكبر العقبات أمام التوصل إلى اتفاق نهائي.
أما النقطة الرابعة فتتعلق بعمليات التفتيش الدولية، إذ تريد واشنطن منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات واسعة لإجراء زيارات مفاجئة لأي موقع داخل إيران، بما في ذلك المنشآت الواقعة ضمن قواعد عسكرية تابعة للحرس الثوري، وهو مطلب لا تزال طهران تتحفظ عليه بشدة.
اختبار صعب بين التهدئة المؤقتة والتسوية الشاملة
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن مذكرة التفاهم، فإن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز الملفات الأكثر حساسية خلال الأسابيع المقبلة، فالاتفاق الحالي يمثل في جوهره هدنة مؤقتة ونافذة للحوار، لكنه لا يضمن وحده إنهاء عقود من الخلافات المتراكمة بين واشنطن وطهران.
ومع اقتراب توقيع المذكرة، تتجه أنظار العالم إلى ما إذا كانت هذه الخطوة ستتحول إلى اتفاق سلام دائم يعيد رسم توازنات المنطقة، أم أنها ستكون مجرد محطة مؤقتة في مسار طويل من الصراع والتفاوض.




