تقع مدينة أم الفحم في المثلث الشمالي داخل أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، وهي واحدة من أكبر المدن العربية وأكثرها رمزية في التاريخ السياسي والاجتماعي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر. تاريخها الممتد يعكس صموداً خاصاً في مواجهة محاولات التهويد، إذ عُرفت منذ النكبة كمعقل للهوية الوطنية الفلسطينية، وموطناً للحركات السياسية التي حملت على عاتقها الدفاع عن الأرض والبيت والذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.
ترسيخ الانتماء الوطني
منذ عقود، لعبت بلدية أم الفحم دوراً محورياً في ترسيخ الانتماء الوطني، إذ لم تكن مجرد مؤسسة خدمية، بل تحولت إلى منبر سياسي وثقافي، تصدح من خلاله أصوات أهل المدينة رفضاً لمشاريع التهجير والمصادرة. فقد وقفت في وجه سياسات إسرائيلية ممنهجة حاولت محو الهوية الفلسطينية، بدءاً من قوانين الأرض، وصولاً إلى محاولات الأسرلة وتذويب الهوية.
وخلال الانتفاضتين الأولى والثانية، كانت أم الفحم في مقدمة المدن التي احتضنت التظاهرات الشعبية، ودفع أبناؤها أثماناً غالية من الاعتقالات والإصابات والشهداء.
تاريخياً، اعتُبرت أم الفحم خط الدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات، ورافعة للحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول إلى عنوانٍ دائم في سياسات التضييق والتمييز. بلدية المدينة حافظت على هذا الدور، إذ مثّلت جسراً بين سكانها والعالم، وكرّست خطابها في مواجهة سياسات الهدم ومصادرة الأراضي، مؤكدة أن البعد الوطني في نضالها لا ينفصل عن بعدها الخدمي والاجتماعي.
تقويض رمزية أم الفحم
في هذا السياق، يحمل اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمدينة اليوم دلالات تتجاوز مجرد زيارة سياسية أو أمنية. فالاقتحام يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في كسر رمزية أم الفحم وبلديتها باعتبارها حاضنة للهوية الوطنية الفلسطينية، ورسالة تهديد بأن سياسات الهدم والاعتداء ليست مجرد إجراءات قانونية بل أدوات لإخضاع السكان.
إن زيارة بن غفير، الذي يُعرف بتطرفه وبكونه أحد أبرز المحرضين على حرب الإبادة في غزة واقتحامات المسجد الأقصى، تمثل استفزازاً متعمداً لمدينة لطالما صمدت في وجه محاولات الطمس والتهويد. إنها محاولة لتقويض رمزية أم الفحم كحاضنة للنضال الفلسطيني، وإرسال رسالة بأن الهوية الوطنية داخل الخط الأخضر مستهدفة تماماً كما هي في الضفة وغزة.
ومع ذلك، يبقى تاريخ البلدية وأهلها شاهداً على أن مثل هذه الاقتحامات الاستعراضية لن تنجح في محو ما ترسّخ خلال عقود طويلة: أن أم الفحم ليست مجرد مدينة، بل رمز مقاومة وصمود للفلسطينيين جميعاً.




