تكشف تقارير وتحقيقات متزايدة عن شبكة تجنيد معقدة يُعتقد أنها مرتبطة بجهات روسية، تستهدف شبابا أفارقة عبر وعود بوظائف مغرية وفرص تدريب وسفر، قبل أن يجد كثير منهم أنفسهم في قلب الحرب الدائرة في أوكرانيا أو داخل مصانع عسكرية تخدم المجهود الحربي الروسي.
وبحسب معطيات بدأت تتكشف عبر تحقيقات صحفية وتحركات حكومية أفريقية، فإن آلاف الشبان من دول مختلفة في القارة جرى استقطابهم عبر الإنترنت ومنصات التوظيف، تحت غطاء عقود عمل ورواتب مرتفعة، قبل نقلهم إلى روسيا في ظروف وصفتها جهات حقوقية بأنها تقترب من “الاتجار بالبشر”.
تجنيد عبر الإنترنت وشبكات عابرة للحدود
التحقيقات تشير إلى وجود شبكات تجنيد تعمل بأساليب سرية، تعتمد على وسطاء وإعلانات توظيف تستهدف الشباب الباحثين عن فرص اقتصادية خارج بلدانهم.
وكان كثير من الضحايا يعتقدون أنهم متجهون إلى وظائف مدنية أو برامج تدريب، غير أن بعضهم وجد نفسه، بعد الوصول إلى روسيا، مجبرا على الالتحاق بجبهات القتال أو العمل داخل منشآت مرتبطة بالصناعات العسكرية والطائرات المسيّرة.
وتقول تقارير إن بعض المجندين تعرضوا لضغوط وتهديدات مباشرة بعد وصولهم، فيما تحدث آخرون عن مصادرة وثائقهم وتقييد حركتهم، ما جعل العودة إلى بلدانهم أمرا بالغ الصعوبة.
“سلّموا سلاحا وذهبوا إلى الموت”
ومن بين أكثر الشهادات إثارة للقلق، ما كشفه زعيم الأغلبية في الجمعية الوطنية الكينية Kimani Ichung’wah، الذي قال إن بعض المجندين الكينيين “تم تسليمهم أسلحة وإرسالهم مباشرة إلى الجبهة”.
وأضاف أن شبكات التجنيد تستغل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والبطالة في عدد من الدول الأفريقية، عبر إغراء الشباب برواتب مرتفعة وفرص حياة أفضل، قبل الزج بهم في مناطق قتال ذات معدلات خسائر مرتفعة.
في المقابل، وجد آخرون أنفسهم داخل مصانع للطائرات المسيّرة في ظروف عمل خطيرة، حيث تحدثت تقارير عن إصابات وحروق كيميائية دون توفر حماية كافية أو إمكانية واضحة للمغادرة.
أوكرانيا تتحدث عن عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب
وتقدر السلطات الأوكرانية أن نحو 30 ألف مقاتل أجنبي يقاتلون حاليا إلى جانب روسيا، في وقت لا تزال فيه الأرقام الدقيقة المتعلقة بالأفارقة المجندين غير معروفة بسبب الطبيعة السرية للشبكات المستخدمة.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب واستنزاف الموارد البشرية دفع موسكو إلى توسيع نطاق عمليات التجنيد خارج حدودها، مع التركيز على دول تعاني من أزمات اقتصادية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
غضب أفريقي وتحقيقات متصاعدة
ومع تزايد الأدلة والشهادات، بدأت عدة حكومات أفريقية برفع سقف مواقفها تجاه موسكو، حيث صدرت مطالبات علنية بالتحقيق ومحاسبة المتورطين في عمليات التجنيد.
دول مثل كينيا وغانا ونيجيريا وجنوب أفريقيا أثارت مخاوف رسمية بشأن اختفاء أو تجنيد مواطنيها، فيما تحدثت تقارير عن استدعاء دبلوماسيين روس ومطالبات بإعادة العالقين.
وفي بوتسوانا، فتح جهاز Interpol تحقيقا بشأن عمليات توظيف مرتبطة بمصنع “ألابوغا” للطائرات المسيّرة، والذي ورد اسمه في تقارير تتحدث عن تشغيل أجانب في ظروف مثيرة للجدل.
كينيا تكشف مسارات التهريب
السلطات الكينية كانت من بين الأكثر نشاطا في مواجهة هذه الشبكات، بعدما نفذت أجهزة الأمن مداهمات لمكاتب يشتبه في استخدامها لتجنيد الشباب وإرسالهم إلى روسيا.
وفي إحدى العمليات، قالت السلطات إنها أنقذت 22 شخصا كانوا يستعدون للسفر، بينما جرى تشديد الرقابة في المطارات والمعابر.
وأشار مسؤولون كينيون إلى أن شبكات التجنيد غيرت مساراتها لتجنب الرصد الأمني، عبر استخدام محطات عبور في إسطنبول وأبو ظبي، ثم نقل الضحايا عبر دول أفريقية أخرى مثل أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا.
دعوات لتحقيق دولي أوسع
ومع اتساع القضية، تتزايد الدعوات لإجراء تحقيقات دولية مستقلة بشأن طبيعة عمليات التجنيد والجهات التي تقف وراءها، وسط مطالب بمحاسبة المتورطين وتفكيك الشبكات العابرة للحدود.
كما تطالب عائلات الضحايا والحكومات الأفريقية بتوفير آليات لإعادة العالقين ومساعدة المصابين، في وقت تحذر فيه منظمات حقوقية من تحول الحرب الأوكرانية إلى ساحة جديدة لاستغلال الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديا حول العالم.




