دخلت الأزمة الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، بعدما استدعت عدة دول أوروبية دبلوماسيين روس احتجاجا على تحذيرات أطلقتها موسكو طالبت فيها الرعايا الأجانب والبعثات الدبلوماسية بمغادرة كييف قبل تنفيذ ضربات روسية جديدة ضد العاصمة الأوكرانية.
وجاء التحرك الأوروبي السريع بعد تصريحات روسية اعتُبرت تهديدا مباشرا باستهداف العاصمة الأوكرانية، في وقت تشهد فيه الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات واحدة من أكثر مراحلها حساسية، وسط تعثر المساعي الدولية لوقف القتال.
موسكو تحذر الأجانب من البقاء في كييف
وزارة الخارجية الروسية دعت، الاثنين، الرعايا الأجانب المقيمين في كييف، بمن فيهم العاملون في السفارات والبعثات الدبلوماسية، إلى مغادرة المدينة تحسبا لهجمات جديدة قالت إنها ستستهدف “مراكز صنع القرار” ومنشآت مرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري الأوكراني.
التحذير الروسي أثار قلقا واسعا في العواصم الأوروبية، خاصة أنه تزامن مع تهديدات روسية متزايدة بتوسيع نطاق الهجمات على أوكرانيا، ردا على ضربة أوكرانية استهدفت منطقة ستاروبيلسك الخاضعة لسيطرة موسكو في شرق البلاد.
وبحسب الرواية الروسية، فإن الهجوم الأوكراني أدى إلى مقتل 21 شخصا وإصابة أكثر من 40 آخرين داخل مهجع يضم مراهقين في مدرسة ثانوية، فيما وصفت موسكو الضربة بأنها “دموية” و”متعمدة”.
في المقابل، قالت هيئة الأركان الأوكرانية إن قواتها استهدفت مواقع عسكرية روسية ومقرا لإحدى الوحدات في محيط ستاروبيلسك، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن الخسائر البشرية.
رد أوروبي حازم
الاتحاد الأوروبي كان من أوائل الأطراف التي ردت على التصريحات الروسية، حيث أعلنت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، أنيتا هيبر، استدعاء القائم بالأعمال الروسي في بروكسل، ووصفت التهديدات بأنها “تصعيد غير مقبول”.
وأكدت هيبر أن بعثة الاتحاد الأوروبي ستواصل عملها في كييف رغم التحذيرات الروسية، في رسالة تعكس تمسك بروكسل بدعم أوكرانيا سياسيا ودبلوماسيا.
وفي برلين، أعلنت الحكومة الألمانية استدعاء السفير الروسي، مؤكدة أنها “لن تخضع للترهيب”، وأن دعمها لأوكرانيا “سيستمر بكل قوة”.
كما انضمت النرويج إلى الموقف الأوروبي، إذ استدعت الممثل الروسي في أوسلو للاحتجاج على ما وصفته بـ”التهديدات الروسية للدبلوماسيين الأجانب”.
واشنطن على خط الأزمة
التصعيد الروسي وصل أيضا إلى واشنطن، بعدما نقل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسالة من نظيره الروسي سيرغي لافروف إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال روبيو إن الولايات المتحدة “مستعدة وراغبة في بذل كل ما في وسعها لإنهاء الحرب”، معربا عن أمله في تهيئة فرصة سياسية تسمح بإحياء مسار التسوية.
من جهته، أكد لافروف أنه شرح للإدارة الأميركية الأسباب التي دفعت موسكو إلى اتخاذ قرارها، فيما قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف إن واشنطن “أخذت علما بجميع الرسائل الروسية”.
الأمم المتحدة تدين التهديدات
وفي نيويورك، انضمت نحو خمسين دولة إلى موجة الإدانات الدولية، بعدما نددت داخل الأمم المتحدة بما وصفته بـ”التهديدات الأخيرة” التي أطلقتها موسكو ضد الدبلوماسيين الأجانب في كييف.
ويعكس هذا الموقف مخاوف متزايدة من احتمال انزلاق الحرب نحو مرحلة أكثر خطورة، خاصة مع تصاعد الحديث الروسي عن استهداف “مراكز القرار” داخل العاصمة الأوكرانية.
هجمات متبادلة وتلويح بتوسيع الحرب
خلال الأيام الماضية، شهدت أوكرانيا موجة جديدة من الهجمات الروسية المكثفة باستخدام مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ، بينها صواريخ من طراز “أوريشنيك” التي استخدمت للمرة الثالثة منذ بداية الحرب.
وفي المقابل، كثفت كييف ضرباتها داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، في إطار استراتيجية تستهدف إرباك البنية العسكرية الروسية وإظهار قدرة أوكرانيا على نقل المعركة إلى العمق المقابل.
ويرى مراقبون أن التصعيد الحالي قد يكون مقدمة لمرحلة أكثر شراسة من الحرب، خصوصا مع تعثر المساعي الأميركية للتوصل إلى تسوية سياسية، وسط خلافات مستمرة بشأن الأراضي التي تطالب موسكو بضمها.
جهود السلام تتراجع
التحركات الدبلوماسية الأميركية التي كانت تهدف إلى فتح نافذة للحل السياسي تبدو اليوم أكثر تعثرا، خاصة بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وتراجع التركيز الدولي على الملف الأوكراني.
كما أن الخلافات الجوهرية بين موسكو وكييف بشأن مستقبل المناطق المحتلة ما تزال تشكل العقبة الأكبر أمام أي اتفاق محتمل، في وقت يواصل فيه الطرفان الرهان على الميدان العسكري لتحقيق مكاسب سياسية.




