في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية في السودان، تتكشف أرقام صادمة عن تصاعد العنف وتدهور الأوضاع المعيشية، مع استمرار الحرب التي دخلت عامها الثالث دون أفق واضح للحل.
وبينما تتساقط الضحايا بفعل هجمات المسيّرات، تتسع رقعة الفقر والجوع لتشمل غالبية السكان، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم حالياً.
700 قتيل خلال أشهر
كشف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أن نحو 700 مدني قُتلوا في السودان منذ يناير الماضي نتيجة ضربات نفذتها طائرات مسيّرة، في واحدة من أكثر فصول الحرب دموية.
وأوضح أن هذه الحصيلة المروعة سُجلت خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط من العام، ما يعكس تصاعداً خطيراً في استخدام الطائرات المسيّرة في النزاع، وتحولها إلى أداة رئيسية في استهداف مناطق مأهولة بالسكان.
وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، والتي خلّفت موجات متلاحقة من العنف والانهيار الأمني في مختلف أنحاء البلاد.
70% من السكان في دائرة الخطر
وعلى الصعيد الاقتصادي، تتدهور الأوضاع بوتيرة متسارعة، حيث أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن نحو 70% من السودانيين باتوا يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بنحو 38% قبل اندلاع الحرب.
وقال ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان إن معدلات الفقر تضاعفت بشكل غير مسبوق، مشيراً إلى أن واحداً من كل أربعة سودانيين يعيش حالياً في فقر مدقع بأقل من دولارين يومياً.
ويعكس هذا التحول انهياراً واسعاً في مؤشرات الاقتصاد والمعيشة، مع تراجع فرص العمل وارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل حاد.
الجوع يتفاقم
في السياق ذاته، حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن السودان بات يواجه “أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم”، مع أكثر من 19 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
وتشير التقارير إلى أن الحرب لم تدمر فقط سلاسل الإمداد، بل أدت أيضاً إلى انهيار الإنتاج الزراعي وارتفاع مستويات النزوح، ما جعل الحصول على الغذاء تحدياً يومياً لملايين الأسر.
وتُظهر البيانات أن معدلات الفقر ترتفع إلى نحو 75% في مناطق النزاع الساخنة، خاصة في إقليمي دارفور وكردفان، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية.
وتعاني هذه المناطق من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية، ما يفاقم من حجم الكارثة الإنسانية.
انهيار اقتصادي غير مسبوق
وتشير تقديرات أممية إلى أن متوسط الدخل في السودان تراجع إلى مستويات لم تُسجل منذ عام 1992، فيما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي.
وبحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد خسر الاقتصاد السوداني نحو 6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي خلال عام واحد فقط، مع تراجع حاد في الإنتاج وتعطل أكثر من 80% من المصانع.
كما حذر التقرير من أن استمرار الحرب حتى عام 2030 قد يعيد السودان إلى مستويات اقتصادية تعود إلى ستينات القرن الماضي، مع اتساع رقعة الفقر المدقع لتشمل عشرات الملايين.
نزاع مستمر بلا أفق
وتدور الحرب بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومحمد حمدان دقلو “حميدتي”، منذ 15 أبريل 2023، في صراع دموي أدى إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليون شخص.
وتُعد هذه الحرب واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم، وسط صعوبة بالغة في حصر الخسائر البشرية بسبب انهيار شبكات الاتصالات وتدهور الأوضاع الأمنية.
ووصف مسؤولو الأمم المتحدة الوضع في السودان بأنه لم يعد مجرد أزمة إنسانية، بل “تآكل ممنهج لمستقبل بلد كامل”، مع انهيار التعليم والخدمات الصحية وسبل العيش.
وأشار مسؤول أممي إلى أن ما يحدث اليوم لا يقتصر على أرقام وإحصاءات، بل يعكس انهيار حياة ملايين الأسر، وحرمان جيل كامل من فرص التعليم والاستقرار.
محاولة دولية لكسر الجمود
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تستضيف العاصمة الألمانية برلين مؤتمراً للمانحين يهدف إلى دعم الجهود الإنسانية والبحث عن مخرج سياسي للنزاع.
ويأتي المؤتمر في ظل سلسلة لقاءات دولية سابقة لم تحقق اختراقاً ملموساً، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على وقف الحرب أو تخفيف آثارها المتفاقمة.




