في وقت تتجدد فيه التحركات الدبلوماسية الرامية إلى استئناف مفاوضات السلام بشأن الحرب في أوكرانيا، تبرز مخاوف غربية من أن تسعى موسكو إلى توسيع نطاق التفاوض ليشمل مستقبل الوجود العسكري لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، بما قد يفضي إلى تغييرات في التوازنات الأمنية على الجبهة الشرقية للحلف.
ونقلت صحيفة «التلغراف» البريطانية، في تقرير نشرته في 25 أكتوبر/تشرين الأول، عن مصادر دبلوماسية أن روسيا قد تطالب بإعادة انتشار القوات التابعة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا إلى المستويات التي كانت عليها عام 1997، في إطار مساعيها للحصول على تنازلات أمنية أوسع خلال المفاوضات المتعلقة بأوكرانيا.
ومن شأن هذا المطلب، إذا طُرح رسميا واعتمدته الأطراف المعنية ضمن أي اتفاق، أن يثير تداعيات واسعة على الوجود العسكري الغربي في شرق أوروبا، ولا سيما في الدول التي انضمت إلى الحلف بعد عام 1997. ولم يؤكد الكرملين رسميا، بحسب المعلومات الواردة في التقرير، أنه يعتزم تقديم هذا المطلب ضمن مفاوضات السلام.
العودة إلى ترتيبات ما قبل توسع الناتو
بحسب «التلغراف»، فإن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في مطالبة موسكو بتقليص الوجود العسكري للحلف في الدول الواقعة على الجناح الشرقي لأوروبا، بما قد يشمل بولندا ودول البلطيق، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، إضافة إلى فنلندا.
وتكتسب هذه المطالب المحتملة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي شهدتها خريطة الناتو منذ نهاية الحرب الباردة، إذ انضمت دول من أوروبا الوسطى والشرقية إلى الحلف في موجات توسع متعاقبة، فيما أصبحت فنلندا عضوا فيه عام 2023، في تحول استراتيجي ارتبط مباشرة بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
وتعتبر موسكو أن توسع الحلف شرقا يمس مصالحها الأمنية، وتطالب منذ سنوات بإعادة النظر في الترتيبات الأمنية الأوروبية. غير أن تحويل هذه المطالب إلى التزامات ملزمة للدول الأعضاء سيصطدم بمسائل تتعلق بسيادة تلك الدول وحقها في تحديد خياراتها الدفاعية والتحالفات التي تنتمي إليها.
وفي هذا السياق، قد يمثل ربط الترتيبات العسكرية في أوروبا بمفاوضات التسوية الأوكرانية محاولة روسية للحصول على ضمانات أمنية تتجاوز حدود النزاع المباشر، إذا تأكد أن موسكو تسعى إلى إدراج هذا الملف ضمن شروطها للتوصل إلى اتفاق.
أوكرانيا في قلب الخلاف الأمني
لا يقتصر الخلاف الروسي الغربي على الأراضي التي تسيطر عليها القوات الروسية في أوكرانيا، بل يمتد إلى مستقبل العلاقة بين كييف والحلف الأطلسي، وإلى طبيعة الضمانات الأمنية التي يمكن أن تحصل عليها أوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب.
وتعارض موسكو انضمام أوكرانيا إلى الناتو، معتبرة أن اقتراب البنية العسكرية للحلف من حدودها يمثل تهديدا لأمنها القومي. كما وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توسع الحلف والتمدد العسكري الغربي بأنه من بين الأسباب الجذرية للأزمة، في حين تتمسك أوكرانيا بحقها في اختيار تحالفاتها وترى في الضمانات الأمنية الغربية عنصرا أساسيا لمنع تجدد الحرب.
ويضع هذا التباين أي مفاوضات محتملة أمام معضلة أساسية: كيفية معالجة المخاوف الأمنية الروسية من دون فرض قيود على سيادة أوكرانيا أو على الخيارات الدفاعية للدول الأوروبية.
كما أن أي تفاهم بشأن تقليص القوات أو تغيير انتشارها في شرق أوروبا سيحتاج إلى موافقة الدول المعنية، ولن يكون مجرد اتفاق ثنائي بين موسكو وواشنطن كافيا بالضرورة لفرض ترتيبات جديدة على جميع أعضاء الحلف.
مفاوضات السلام واختبار التوازنات الأوروبية
تأتي هذه المعطيات بالتزامن مع مؤشرات على التحرك لاستئناف المحادثات المتعلقة بالحرب، في وقت لا تزال فيه القضايا الأمنية والإقليمية تشكل أبرز العقبات أمام التوصل إلى تسوية.
ووفق التقرير البريطاني، قد تسعى روسيا إلى استخدام المفاوضات للحصول على تنازلات في ملف الوجود العسكري الأطلسي، مع احتمال إبداء مرونة في مسائل أخرى مقابل الاستجابة لمطالبها الأساسية. لكن هذا الاحتمال يظل مرتبطا بما ستطرحه موسكو فعليا على طاولة التفاوض، إذ لا يوجد، استنادا إلى المعلومات الواردة، تأكيد رسمي بأن المطالب المنسوبة إليها أصبحت شروطا معتمدة لأي اتفاق.
وفي المقابل، من المرجح أن تواجه أي محاولة لفرض قيود واسعة على الانتشار العسكري للناتو اعتراضات من دول الجناح الشرقي، التي تنظر إلى الوجود العسكري للحلف باعتباره ضمانة دفاعية في مواجهة التهديدات الروسية.
وبذلك، قد تتحول المفاوضات بشأن أوكرانيا إلى نقاش أوسع حول مستقبل الأمن الأوروبي، وحدود التوسع الأطلسي، وتوزيع القوات في القارة. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهنا بقدرة الأطراف على التوصل إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، من دون تحويل التسوية إلى وسيلة لفرض تنازلات تمس سيادة الدول المعنية أو تقوض أمنها.






