تبدو الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، أبعد من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، إذ تسعى طهران إلى تحويلها إلى معركة استنزاف طويلة تستهدف إرهاق خصومها سياسياً واقتصادياً. وبدلاً من التعويل على التفوق العسكري المباشر، تراهن القيادة الإيرانية على استراتيجية تقوم على إطالة أمد الصراع، وتعطيل طرق الطاقة الحيوية، وزعزعة استقرار الأسواق العالمية، بما يرفع كلفة الحرب على خصومها ويدفعهم في النهاية إلى البحث عن مخرج سياسي.
وفي قلب هذه الاستراتيجية يبرز دور الحرس الثوري الإيراني باعتباره الفاعل الأهم في إدارة المعركة وتحديد مساراتها، سواء على مستوى العمليات العسكرية أو في إعادة ترتيب موازين القوة داخل النظام السياسي الإيراني. ويأتي ذلك في ظل انتقال القيادة العليا إلى مجتبى خامنئي بعد مقتل والده علي خامنئي في الضربات الأولى للحرب، وهو تطور يعكس تحولاً عميقاً في بنية السلطة داخل الجمهورية الإسلامية.
دور الحرس الثوري
وعلى الرغم من صدمة الضربات الأمريكية الإسرائيلية وفقدان شخصيات رئيسية، فإن الحرس الثوري- الذي كان على الدوام الحارس الأساسي للجمهورية الإسلامية- يسيطر بثبات على الوضع ويوجه ساحة المعركة وينفذ خطط الطوارئ المعدة مسبقا ويملي الاستراتيجية والأهداف في الحرب.
ولعب الحرس الثوري أيضا دورا حاسما في ترقية مجتبى خامنئي إلى منصب الزعيم الأعلى بعد مقتل والده آية الله علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية في بداية الحرب.
وقال فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد “إنهم يخوضون معركة وجود. هذه حرب شاملة”. وأضاف “إنهم يعتقدون أن بقاءهم على المحك. إنهم مستعدون لتدمير المعبد على رؤوس الجميع”.وأضاف أليكس فاتانكا، وهو باحث كبير بمعهد الشرق الأوسط وخبير في السياسة الإيرانية، “إنهم مثل حيوان ينزف – مصاب بجروح، ولكنه لذلك أكثر خطورة من أي وقت مضى”. حسب رويترز.
وهذه العقلية الحربية الشاملة هي السبب وراء تصعيد إيران ضرباتها عبر الخليج، مستهدفة مراكز الطاقة من قطر إلى السعودية لرفع الاضطراب الاقتصادي لأقصى حد في محاولة محسوبة لزيادة التكاليف على جيرانها وأوروبا والولايات المتحدة واختبار إرادة واشنطن السياسية.
العوامل المجهولة الحاسمة في الحرب
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمشرعين الجمهوريين أمس الاثنين إن الحرب ستستمر حتى “هزيمة إيران هزيمة كاملة وحاسمة”، لكنه توقع أن تنتهي قريبا. وأنه بمجرد انتهاء الولايات المتحدة من العملية العسكرية على إيران، فلن يكون لدى طهران أي أسلحة تستخدمها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاء واشنطن لفترة طويلة.
ويقول عالمون ببواطن الأمور في إيران إن هذا التصعيد كان متوقعا قبل وقت طويل من بدء الحرب قبل 11 يوما. وافترض المخططون الإيرانيون أن المواجهة مع واشنطن وإسرائيل أمر لا مفر منه، وأعدوا استراتيجية متعددة المستويات منسقة عبر شبكات الحرس الثوري العسكرية المترامية الأطراف وقوات بالوكالة. وفقا لـ رويترز.
اختيار مجتبى زعيما أعلى يثبت هيمنة الحرس الثوري “كصانع الملوك”. ويشيرون إلى أن ميزان القوى قد تغير. وعلى الرغم من اختيار زعيم أعلى جديد، فإن مستقبل الجمهورية الإسلامية وسلطة المؤسسة الدينية نفسها يعتمدان الآن على قدرة الحرس الثوري على الصمود في وجه العاصفة التي أطلقتها الحملة الأمريكية الإسرائيلية.
لكن أحد العوامل المجهولة الحاسمة في الحرب، مثلما يقول مهند حاج علي الباحث الكبير في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، هو المدة التي يمكن للحرس الثوري أن يستمر فيها بحملته الصاروخية، التي تشكل العمود الفقري لاستراتيجيته ضد أعدائه.
تأثير الحرب على الحياة اليومية
ويقول مسؤولون أمريكيون إن جزءا كبيرا من ترسانة إيران قد دُمر بالفعل، لكن مصادر إقليمية تقول إن طهران قد لا تزال تحتفظ بأكثر من نصف مخزونها قبل الحرب. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن إيران يمكن أن تستمر في إطلاق الصواريخ لعدة أسابيع أخرى، وهو إطار زمني قد يكون مهما لواشنطن مع تزايد الضغوط الاقتصادية في الداخل والخارج.
ويمتد نفوذ الحرس الثوري أيضا إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، حيث يعيد تشكيل الحياة اليومية. وقال مراقب إيراني إن البضائع التي كانت تظل لأسابيع في الموانئ يتم الآن تخليصها على الفور. وتأتي الإجراءات الورقية لاحقا. ووصف المسؤولون ذلك بأنه استعداد لاقتصاد حرب، لضمان استمرار خطوط الإمداد تحت الضغط، مع تعزيز سيطرة الحرس الثوري على الدولة وتأكيد استمرار الحكم.
وللاستقرار الداخلي القدر نفسه من الأهمية. وأفاد مراقبون ومصادر داخل إيران بأنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على احتجاجات أو انشقاقات في صفوف النخبة أو انقسامات داخل المؤسسة. ووصف أحد العالمين ببواطن الأمور في طهران المدينة بأنها تتعرض للقصف لكنها لا تزال تعمل. وقال “تهتز النوافذ ليلا ونهارا، لكن الحياة تستمر”. ولا تزال المتاجر والبنوك مفتوحة والإمدادات متوفرة ولم يفر معظم السكان من العاصمة.
ومع ذلك، أشار إلى أن الهجمات قد تؤدي إلى نتائج عكسية عما تهدف إليه واشنطن وإسرائيل. فعلى الرغم من المظالم الطويلة الأمد مع الحكومة، فإن موجة من التضامن الوطني تنتشر مع استهداف الهجمات للبنية التحتية والحديث علنا عن احتمال اندلاع موجات تمرد داخلي.






