أثار الإعلان الأخير الصادر عن السلطات السورية بشأن تنظيم التظاهرات موجة من القلق داخل الأوساط الحقوقية والسياسية، في وقت تحاول فيه البلاد إعادة صياغة توازنها الداخلي بعد سنوات طويلة من الصراع. وبينما تؤكد الحكومة أن القرار يهدف إلى “تنظيم” الحراك الشعبي، يرى منتقدون أنه قد يفتح الباب أمام تقييد غير مباشر للحريات.
بداية مرحلة جديدة… بنفس الهواجس القديمة
يُعد هذا القرار الأول من نوعه منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، وصعود سلطة جديدة تقودها قوى مختلفة في الشكل والخطاب. لكن المفارقة أن النقاش الدائر اليوم يعيد إلى الواجهة نفس المخاوف التي رافقت بدايات الاحتجاجات في 2011، حين تحولت المطالب الشعبية إلى صراع مفتوح استمر لسنوات.
التحول السياسي الذي شهدته سوريا لم يُلغِ حساسية ملف الحريات، بل ربما زاد من تعقيده، في ظل توقعات شعبية بأن المرحلة الجديدة ستقدم نموذجًا مختلفًا في إدارة الشأن العام.
تنظيم أم تقييد؟
وفق المرسوم الإداري الجديد، باتت التظاهرات تخضع لإجراءات ترخيص مسبق، مع منح السلطات صلاحيات إنهائها في حال تجاوز الشروط المحددة أو حدوث اضطرابات. هذا الإطار، الذي تصفه وزارة الداخلية بأنه “تنظيمي بحت”، يهدف — بحسب الرواية الرسمية — إلى حماية المتظاهرين وضمان الأمن العام.
لكن في المقابل، يرى معارضون أن منح السلطة التنفيذية هذا الهامش الواسع من التدخل قد يؤدي عمليًا إلى تقليص مساحة التعبير، خاصة إذا تم استخدام معايير فضفاضة مثل “تجاوز حدود التصريح”.
انتقادات حقوقية حادة
من بين أبرز الأصوات المنتقدة، برز موقف الناشط الحقوقي ميشيل شماس، الذي وصف القرار بأنه “غير قانوني وغير دستوري”، معتبرًا أن تقييد الحقوق الأساسية يجب أن يمر عبر سلطة تشريعية، لا عبر قرارات إدارية.
كما حذّر من أن هذا النهج يعيد إنتاج آليات سبق استخدامها لتقييد الاحتجاجات، ما يثير تساؤلات حول مدى القطيعة الفعلية مع ممارسات المرحلة السابقة.
احتجاجات مستمرة وسياق متوتر
منذ التغيير السياسي الأخير، لم تهدأ وتيرة الاحتجاجات في عدة مناطق سورية، مدفوعة بعوامل اقتصادية ومعيشية، إضافة إلى مطالب سياسية وحقوقية. وفي بعض الحالات، تطورت هذه التحركات إلى مواجهات أو احتجاجات مضادة، ما يعكس هشاشة الوضع الداخلي.
حادثة التوتر أمام سفارة الإمارات العربية المتحدة في دمشق الشهر الماضي، والتي تزامنت مع تأكيد الرئيس أحمد الشرع على أهمية الحفاظ على علاقات مستقرة مع أبوظبي، تعكس بدورها حساسية التوازن بين الداخل والخارج.
بين النصوص والتطبيق
تنص السلطات على أن الحق في التظاهر مكفول بموجب الدستور الانتقالي، مع الإشارة إلى ضرورة ممارسته ضمن “الأطر القانونية”. كما تم تحديد مهلة زمنية للنظر في طلبات التظاهر، مع إتاحة حق الاستئناف.
غير أن التجربة السورية السابقة تجعل الكثيرين ينظرون بحذر إلى مثل هذه الضمانات، خصوصًا عندما تقترن بنظام ترخيص يمنح الجهات التنفيذية سلطة تقديرية واسعة.
اختبار مبكر للسلطة الجديدة
الجدل الحالي لا يتعلق فقط بتنظيم التظاهرات، بل يعكس سؤالًا أعمق حول طبيعة المرحلة السياسية الجديدة في سوريا: هل تتجه نحو توسيع هامش الحريات أم إعادة ضبطه؟
في ظل واقع أمني هش وتحديات اقتصادية كبيرة، يبدو أن السلطة تحاول تحقيق توازن صعب بين السيطرة والاستجابة، لكن كيفية تطبيق هذه القواعد على الأرض ستكون العامل الحاسم في تحديد الاتجاه الفعلي للمشهد السوري.




