تكشف استطلاعات الرأي الإسرائيلية عن مشهد انتخابي تتباين فيه تقديرات موازين القوى بصورة لافتة، بما يعكس صعوبة حسم هوية المعسكر القادر على تشكيل الحكومة المقبلة. ففي الوقت الذي يمنح فيه استطلاع القناة 13 الإسرائيلية معسكر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو 51 مقعداً، مقابل 50 مقعداً لأحزاب المعارضة الصهيونية، يذهب استطلاع القناة 14 في الاتجاه المعاكس، مانحاً معسكر نتنياهو 62 مقعداً، وهو عدد يتجاوز عتبة الأغلبية البرلمانية البالغة 61 مقعداً.
ولا يقتصر التباين على توزيع المقاعد بين المعسكرين، بل يمتد إلى أحجام الأحزاب، وفرص القوائم الصغيرة في تجاوز نسبة الحسم، ودور الأحزاب العربية في أي ترتيبات حكومية محتملة. وبين هذين التقديرين المتباعدين، يبرز سؤال جوهري: هل تعكس الأرقام تقارباً فعلياً في موازين القوى، أم أن اختلاف النتائج يرتبط بمنهجيات الاستطلاع وتقدير سلوك الناخبين؟
في الحالتين، لا تقدم الأرقام حتى الآن صورة محسومة لمستقبل الحكم في إسرائيل، لكنها تشير إلى أن تشكيل الحكومة قد يتوقف على تفاصيل انتخابية وسياسية تتجاوز ترتيب الأحزاب في الصدارة.
آيزنكوت يتقدم في سباق رئاسة الحكومة.. لكن الأرقام لا تحسم معركة الكنيست
في استطلاع القناة 13، لا يقتصر التنافس على توزيع المقاعد بين المعسكرين، بل يمتد إلى هوية الشخصية التي يفضلها الإسرائيليون لتولي رئاسة الحكومة. فقد حصل غادي آيزنكوت على تأييد 45% ممن شملهم الاستطلاع، مقابل 38% لنتنياهو، في مؤشر إلى أن رئيس الوزراء يواجه منافسة جدية على المستوى الشخصي، حتى إن لم يكن ذلك كافياً وحده لتحديد نتائج الانتخابات.
ويتصدر حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت ترتيب الأحزاب في الاستطلاع بـ20 مقعداً، متقدماً بمقعدين على حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو. ويأتي حزب «بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ثالثاً بـ12 مقعداً، بما يعكس تعدد مراكز الثقل داخل المعسكر المناهض لنتنياهو.
لكن تقدم آيزنكوت في سؤال الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة أن المعسكر الذي يقوده قادر على تشكيل ائتلاف حاكم. فالنظام البرلماني الإسرائيلي يجعل توزيع المقاعد والتحالفات التي يمكن بناؤها بعد الانتخابات عاملاً حاسماً، وقد يحصل حزب على المرتبة الأولى من دون أن يمتلك معسكره العدد الكافي لتشكيل الحكومة.
وبالتالي، فإن الفارق بين آيزنكوت ونتنياهو في سؤال رئاسة الحكومة يظل مؤشراً سياسياً مهماً، لكنه لا يغني عن قراءة خريطة المقاعد والخيارات الائتلافية.
الأحزاب العربية.. 15 مقعداً تضعها في قلب الحسابات الحكومية
تمنح نتائج استطلاع القناة 13 القائمتين العربيتين 15 مقعداً في الكنيست، موزعة بين القائمة المشتركة بتسعة مقاعد والقائمة الموحدة بستة. ويكتسب هذا التمثيل أهمية خاصة في ظل عجز المعسكرين الرئيسيين عن الوصول إلى أغلبية برلمانية مستقلة.
فوفق هذه الأرقام، لا يحصل معسكر نتنياهو إلا على 51 مقعداً، فيما تنال أحزاب المعارضة الصهيونية 50 مقعداً، وتبقى أربعة مقاعد خارج حسابات المعسكرين، بينما تذهب المقاعد المتبقية إلى القائمتين العربيتين.
ولا تعني هذه الأرقام أن الأحزاب العربية ستشارك بالضرورة في الحكومة المقبلة؛ إذ ينبغي التمييز بين الانضمام إلى الائتلاف الحكومي، وتقديم دعم برلماني من خارجه، والامتناع عن التصويت في حالات محددة. ولكل خيار حساباته السياسية وشروطه، فضلاً عن مواقف الأحزاب الإسرائيلية من التعاون مع القوائم العربية.
ويكشف الاستطلاع عن انقسام داخل الرأي العام بشأن إمكانية تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية أو امتناعها عن التصويت إذا كان ذلك ضرورياً لإزاحة نتنياهو. فقد أيد هذا الخيار 40% من المستطلعة آراؤهم، مقابل 43% عارضوه، فيما قال 18% إنهم لا يعرفون.
وتتغير الصورة بصورة واضحة عند تفكيك النتائج وفق الانتماء الحزبي؛ إذ ارتفعت نسبة التأييد إلى 61% بين ناخبي أحزاب المعارضة، مقابل 20% عارضوا الخطوة. أما بين ناخبي أحزاب الائتلاف، فلم تتجاوز نسبة التأييد 6%، في حين بلغت المعارضة 80%.
وتشير هذه الفجوة إلى أن مسألة الاعتماد على الأحزاب العربية ليست مجرد تفصيل حسابي، بل قضية سياسية قد تثير خلافات داخل المعسكر المناهض لنتنياهو نفسه، وتؤثر في قدرته على تحويل تقدمه الانتخابي إلى أغلبية حاكمة.
نتنياهو بين تراجع الليكود وفرص استعادة الأغلبية
في استطلاع القناة 13، يحصل الليكود على 18 مقعداً، مقابل 20 لحزب «يشار». ويضع هذا الفارق نتنياهو أمام منافسة مباشرة مع آيزنكوت على قيادة المشهد السياسي، خصوصاً في ظل تقدم الأخير في سؤال الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة.
لكن صورة الليكود تختلف جذرياً في استطلاع القناة 14، الذي يمنحه 29 مقعداً، مقابل 20 لحزب «يشار». ووفق هذا التقدير، يرتفع مجموع مقاعد معسكر نتنياهو إلى 62، بما يتيح له، نظرياً، تشكيل حكومة من دون الحاجة إلى دعم القائمتين العربيتين.
ويعكس هذا التباين اختلافاً واسعاً بين الاستطلاعين في تقدير حجم التأييد لنتنياهو وحلفائه، وليس مجرد فارق محدود في عدد المقاعد. كما أنه يجعل من الصعب التعامل مع أي استطلاع منفرد باعتباره صورة نهائية لاتجاهات الناخبين.
وتشير بيانات تجميعية منشورة في أكتوبر/تشرين الأول إلى أن متوسط عدد المقاعد المتوقع لمعسكر نتنياهو كان يدور حول 54 مقعداً، مع تفاوت ملحوظ بين المؤسسات التي تجري الاستطلاعات. ولم تمنح سوى بعض الاستطلاعات المعسكر أغلبية تبلغ 61 مقعداً أو أكثر.
وعليه، فإن حصول نتنياهو على 62 مقعداً في استطلاع القناة 14 يظل سيناريو محتملاً ضمن نتائج الاستطلاعات، لا دليلاً على أن الأغلبية أصبحت مضمونة.
الأحزاب الحريدية.. ثمن التحالف الذي قد يعرقل تشكيل الحكومة
إلى جانب التنافس على المقاعد، يواجه أي ائتلاف محتمل خلافات تتعلق بالخدمة العسكرية للأحزاب الحريدية، وهي قضية حساسة في السياسة الإسرائيلية، خصوصاً في ظل الحرب والجدل بشأن تقاسم الأعباء العسكرية.
ففي استطلاع القناة 13، عارض 54% من المشاركين تشكيل حكومة يمينية تعتمد على دعم الأحزاب الحريدية مقابل إقرار قانون يعفي الحريديين من الخدمة العسكرية، بينما أيد هذا الخيار 30%، وقال 16% إنهم لا يعرفون.
لكن الاتجاه انعكس بين ناخبي أحزاب الائتلاف؛ إذ أيد 60% منهم هذا السيناريو، مقابل 21% عارضوه. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة التأييد بين ناخبي المعارضة 11%، مقابل 79% عارضوه.
وتبرز هذه النتائج أن التفاوض على تشكيل الحكومة لن يتعلق فقط بعدد المقاعد، بل أيضاً بالتنازلات التي يتعين على الأحزاب تقديمها لشركائها المحتملين. فقد يتمكن معسكر من جمع عدد كافٍ من النواب نظرياً، لكنه يواجه صعوبة في الاتفاق على برنامج حكومي أو تسوية الخلافات المتعلقة بالتجنيد والميزانية والسياسات الدينية.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى نتنياهو، لأن الأحزاب الحريدية تمثل جزءاً من قاعدته الائتلافية، بينما قد تؤدي الخلافات بشأن إعفاءات الخدمة العسكرية إلى توترات مع أحزاب أخرى، حتى داخل المعسكر اليميني.
نسبة الحسم.. أربعة مقاعد قد تغير شكل الخريطة السياسية
تكتسب القوائم الصغيرة أهمية استثنائية في الانتخابات الإسرائيلية، بسبب نسبة الحسم البالغة 3.25%، التي يتعين على الأحزاب تجاوزها لدخول الكنيست.
وفي استطلاع القناة 13، تحصل قائمتا «عمخا يسرائيل» بقيادة عوفر فينتر، و«جنود الاحتياط والاقتصادية» بقيادة يوعاز هندل ويارون زليخا، على أربعة مقاعد لكل منهما، بعد تجاوزهما نسبة الحسم وفق التقديرات المنشورة.
في المقابل، لا يتجاوز حزب «كاحول لافان» بقيادة بيني غانتس نسبة 1.2%، بينما تحصل قائمة «الجمهور الحريدي» على 1.1%، ما يضعهما خارج المنافسة البرلمانية وفق هذا الاستطلاع.
أما استطلاع القناة 14، فيقدم صورة مختلفة؛ إذ لا تتجاوز قائمة «جنود الاحتياط والاقتصادية» نسبة 3.1%، كما تبقى «عمخا يسرائيل» عند 2.7%، إلى جانب قوائم صغيرة أخرى لا تبلغ العتبة المطلوبة.
وتوضح هذه الفوارق مدى تأثير نسبة الحسم في الحسابات البرلمانية. فالأصوات التي تذهب إلى قوائم لا تتجاوز العتبة لا تتحول إلى مقاعد، وهو ما قد يغير توزيع المقاعد الفعلي بين المعسكرات، حتى إذا بقيت نسب التأييد للأحزاب الكبرى متقاربة.
ومن هنا، لا تقتصر المنافسة على حشد الأصوات، بل تشمل أيضاً قدرة الأحزاب الصغيرة على البقاء فوق الحد الأدنى المطلوب، لأن تعثر قائمة واحدة قد يؤثر في فرص تشكيل الحكومة.
لماذا تتباين استطلاعات القناتين 13 و14 إلى هذا الحد؟
يقدم استطلاع القناة 13 صورة لبرلمان منقسم لا يملك فيه أي من المعسكرين أغلبية مستقلة، بينما يمنح استطلاع القناة 14 معسكر نتنياهو 62 مقعداً، أي أغلبية برلمانية.
ولا يكفي هذا التباين وحده للحكم على دقة أحد الاستطلاعين أو ترجيح نتيجته. فالتقييم المهني يتطلب الاطلاع على حجم العينة، وطريقة اختيار المشاركين، وتوقيت إجراء المقابلات، وصياغة الأسئلة، وكيفية احتساب الأصوات المترددة واحتمالات تجاوز نسبة الحسم.
وتشير البيانات التجميعية المنشورة قبيل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى أن استطلاعات المؤسسات المختلفة لم تكن متطابقة في تقدير حجم معسكر نتنياهو، وأن بعض المؤسسات منحته نتائج أعلى بصورة ملحوظة من غيرها.
لذلك، فإن القراءة الأكثر تحفظاً لا تتمثل في اختيار الرقم الأكثر إثارة، بل في التعامل مع النتائج باعتبارها سيناريوهات متباينة، مع متابعة الاتجاهات التي تتكرر عبر أكثر من استطلاع.
المعركة ليست على الصدارة فقط، بل على الـ61 مقعداً
تكشف الاستطلاعات عن ثلاثة مستويات متداخلة من المنافسة: صراع على قيادة الأحزاب، وتنافس على حجم كل معسكر، ومعركة لتأمين أغلبية برلمانية تسمح بتشكيل الحكومة.
ففي استطلاع القناة 13، يتقدم آيزنكوت على نتنياهو في سؤال الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة، ويتصدر حزبه ترتيب الأحزاب، لكن المعسكر المناهض لنتنياهو لا يصل إلى أغلبية مستقلة. أما استطلاع القناة 14، فيمنح نتنياهو أفضلية واضحة ويضعه فوق عتبة الأغلبية، لكن هذه النتيجة لا تتكرر في معظم التقديرات الأخرى المنشورة.
وفي الحالتين، تبقى الأحزاب العربية والقوائم الصغيرة والخلافات المتعلقة بالخدمة العسكرية عوامل مؤثرة في الحسابات النهائية، سواء عبر المقاعد التي يمكن أن تضيفها إلى أي معسكر، أو عبر الشروط السياسية التي قد تضعها أمام تشكيل الحكومة.






