لم تكن الشابة رحيل محمد رصرص من خان يونس تنتظر الموت، بل كانت تنتظر جرعة علاج، أو وجبة طعام تسند جسدها الهزيل، أو ربما لمسة إنسانية تعيد لها شيئًا من كرامة فقدتها بين أروقة الحرب والجوع والنسيان.
رحيل، التي وُلدت وهي تعاني من إعاقة جعلتها أكثر هشاشة في مواجهة ظروف الحياة، رحلت بصمت مؤلم بعد صراع طويل مع مجاعة قاسية فتكت بجسدها حتى لم يتبق منه إلا العظام.
تتنفس رغم القصف
قبل شهور قليلة، كانت تزن خمسين كيلوغرامًا. ربما لم تكن بكامل صحتها، لكنها كانت تقاوم. تبتسم. تتنفس رغم القصف، وتتعلق بأمل صغير كبقية أهل غزة. لكن شيئًا فشيئًا، وبفعل الحصار الإسرائيلي الخانق ومنع دخول المساعدات، بدأ جسدها يخسر معركته.
لم تكن تمتلك رفاهية الحصول على غذاء مناسب أو دواء، وكل ما كان متاحًا هو الانتظار… والوجع.
كانت رحيل، كما نقلت عنها عائلتها، تنام على سريرها بلا حول ولا قوة، تتألم بصمت، بينما تبرز عظام وجهها وضلوعها بشكل صارخ. صورها التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن بحاجة إلى تعليق؛ فقد تحدث جسدها نيابة عنها، وقال ما عجزت عن قوله البيانات الدبلوماسية أو الإدانات الخجولة.
اللحظات الأخيرة
في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، لفظت أنفاسها الأخيرة. لم يُسمع صوتها، ولم تُشعل شموع حول سريرها، لكنها استُشهدت جوعًا… بكل ما في الكلمة من قسوة. لم تمت برصاصة، بل قتلتها سياسة. سياسة تتعمد أن تحرم غزة من الغذاء، من الدواء، من الأمل، من الحياة.
بموت رحيل، ارتفع عدد ضحايا المجاعة في القطاع إلى أكثر من عشرين خلال يومين فقط، معظمهم من الأطفال والنساء. المجاعة التي لم تعد مجرد خطر متوقع، بل واقع قاتل، تواصل حصد الأرواح في صمت عالمي مشين.
لم تكن رحيل سوى واحدة من آلاف الفلسطينيين الذين يذوبون بصمت تحت وقع التجويع المنهجي الذي بات أحد وجوه الحرب في غزة. حتى المستشفيات لم تعد قادرة على فعل شيء، فقد استهدفت إسرائيل بنيتها الأساسية، ولم يتبق إلا أقل من نصفها يعمل جزئيًا وسط نقص حاد في المستلزمات الطبية.
جريمة مكتملة الأركان
قصة رحيل هي وجه الحقيقة العارية في غزة. فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة تُركت لتواجه مجاعة وحدها، حتى تقوّس جسدها، وانطفأت روحها بهدوء لا يشبه إلا خذلان العالم كله.
لم تسجل محكمة، ولا وثّقت لجنة، أن استشهادها جريمة مكتملة الأركان، لكن دمها بقي شاهدًا على ما يعنيه أن تكون إنسانًا في غزة… حين يصبح الجوع أبطأ أشكال القتل، وأكثرها فتكًا.






