بعد أكثر من أربعة أعوام على اندلاع الحرب في أوكرانيا، بدأت كلفة الصراع تظهر بصورة أوضح في الحسابات المالية الروسية. وبينما لا يواجه الاقتصاد الروسي خطر الانهيار في الوقت الراهن، فإن الضغوط المتراكمة على الميزانية والسيولة تدفع موسكو تدريجياً إلى خيارات أكثر صعوبة بين مواصلة الإنفاق العسكري، واحتواء التضخم، والحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي.
وتشير معطيات نقلتها وكالة بلومبرغ إلى أن الحرب بدأت تفرض قيوداً متزايدة على قدرة الحكومة الروسية على المناورة المالية، بعدما ظلت موسكو خلال السنوات الماضية قادرة على تمويل المجهود الحربي والتكيف مع العقوبات الغربية.
أزمة سيولة تضغط على الميزانية
وفي أبريل/نيسان، دخل حساب الميزانية الموحدة لوزارة الخزانة الفيدرالية الروسية المنطقة السلبية، مسجلاً عجزاً قدره نحو 5 تريليونات روبل، أي ما يعادل قرابة 65 مليار دولار، وفق أشخاص مطلعين على الوضع تحدثوا إلى بلومبرغ.
وتزامن ذلك مع إجراءات تقشفية بدأت السلطات الروسية تطبيقها، في مؤشر على أن الضغوط لم تعد تقتصر على الأرقام السنوية للعجز، وإنما بدأت تطال السيولة المتاحة للحكومة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.
وبحسب المصادر نفسها، حذر وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين من مخاطر عدم توافر سيولة كافية للوفاء بجميع المدفوعات الحكومية في مواعيدها.
فاتورة الحرب تتسع
منذ بداية الحرب، رفعت موسكو الإنفاق على الدفاع والأمن إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحقبة السوفياتية، في وقت اضطرت فيه الحكومة إلى زيادة الإنفاق العسكري للحفاظ على وتيرة العمليات وتعويض الخسائر في المعدات والأفراد.
لكن استمرار هذا الإنفاق لسنوات يضع المالية العامة أمام معادلة أكثر تعقيداً.
فكل زيادة في الموارد الموجهة إلى الجيش تعني مساحة أقل للإنفاق على قطاعات أخرى، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى تمويل البنية التحتية والخدمات الاجتماعية والاستثمارات العامة.
وهكذا، لم يعد السؤال بالنسبة للكرملين متعلقاً فقط بقدرته على تمويل الحرب، وإنما بالثمن الذي يتعين على الاقتصاد الروسي دفعه مقابل استمرارها.
التضخم في مواجهة الإنفاق العسكري
وتزداد صعوبة المعادلة مع استمرار الضغوط التضخمية.
فالإنفاق الحكومي الكبير، ولا سيما على الصناعات الدفاعية، ضخ كميات ضخمة من الأموال في الاقتصاد، وساهم في زيادة الطلب على السلع والخدمات، بينما تواجه قطاعات عديدة نقصاً في العمالة والقدرة الإنتاجية.
وهذا يضع السلطات أمام خيار صعب: مواصلة ضخ الأموال لدعم المجهود الحربي، مع ما قد يترتب على ذلك من ضغوط تضخمية، أو تشديد السياسة المالية والنقدية على حساب النمو والنشاط الاقتصادي.
الاقتصاد لا يزال صامداً
ورغم هذه الضغوط، لا تشير المعطيات إلى أن الاقتصاد الروسي يقف على حافة الانهيار.
فموسكو تمكنت منذ بداية الحرب من إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو دول خارج المنظومة الغربية، كما استفادت من عائدات الطاقة ومن قدرة قطاعها الصناعي على التكيف مع متطلبات الحرب.
لكن الصمود لا يعني غياب المشكلات.
فالاقتصاد الروسي أصبح أكثر اعتماداً على الإنفاق الحكومي والعسكري، بينما باتت قدرة القطاع الخاص على الوصول إلى التكنولوجيا ورؤوس الأموال الغربية أكثر محدودية نتيجة العقوبات.
ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه العوامل إلى قيود أكثر وضوحاً على النمو.
خيارات صعبة أمام الكرملين
وتضع هذه التطورات القيادة الروسية أمام ثلاثة أهداف يصعب تحقيقها في الوقت نفسه: تمويل الحرب، السيطرة على التضخم، والحفاظ على النمو الاقتصادي.
فالاستمرار في رفع الإنفاق العسكري قد يدعم الصناعات المرتبطة بالدفاع ويوفر وظائف، لكنه يزيد الضغط على الأسعار والعمالة والمالية العامة.
وفي المقابل، فإن اللجوء إلى التقشف قد يساعد على احتواء التضخم والحد من الضغوط المالية، لكنه قد يبطئ الاقتصاد ويقلص قدرة الدولة على تمويل الحرب بالمستويات الحالية.
أما تقليص الإنفاق العسكري بصورة كبيرة، فيحمل بدوره تداعيات مباشرة على قدرة موسكو على مواصلة عملياتها في أوكرانيا.
الحرب تقدم فاتورتها
وبعد سنوات من قدرة موسكو على امتصاص الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب والعقوبات، تبدو المسألة اليوم مختلفة.
فالمشكلة ليست في انهيار وشيك للاقتصاد الروسي، وإنما في تضييق هامش الخيارات المتاحة أمام الكرملين.
كلما طال أمد الحرب، ارتفعت تكلفة المحافظة على الإنفاق العسكري، في حين يصبح الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي أكثر تعقيداً.
ومن هنا، قد تكون المعركة المقبلة بالنسبة لموسكو ليست فقط على جبهات القتال في أوكرانيا، وإنما أيضاً داخل الموازنة الروسية نفسها: كم يمكن إنفاقه على الجيش، وكم يمكن تحمله من التضخم، وكم من النمو تستطيع روسيا التضحية به مقابل استمرار الحرب؟






