تواجه الجزائر موجة جديدة من حرائق الغابات التي اجتاحت عدداً من ولايات شمال شرق البلاد، مخلفة 12 قتيلاً وعشرات المصابين، في وقت تواصل فيه فرق الحماية المدنية جهودها للسيطرة على بؤر النيران التي انتشرت إلى مناطق سكنية وأجبرت عشرات السكان على الإجلاء.
وأعلنت وزارة الداخلية والحماية المدنية أن الحرائق اندلعت في عدة مناطق، ولا سيما ولايتي بجاية وجيجل، وسط ظروف مناخية صعبة اتسمت بارتفاع درجات الحرارة وهبوب رياح قوية، الأمر الذي ساعد على سرعة انتشار ألسنة اللهب واتساع رقعة المناطق المتضررة.
عشرات الحرائق تحت السيطرة
وقال مسؤول في الحماية المدنية إن فرق الإطفاء تمكنت، بحلول الساعة الواحدة ظهراً من يوم الجمعة، من إخماد 68 حريقاً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بينما ظلت 29 بؤرة أخرى قيد التدخل، معظمها في شكل نقاط ساخنة وجمر متبقٍ.
وأوضح المسؤول أن عمليات الإخماد جرت في ظروف جوية بالغة الصعوبة، بسبب درجات الحرارة المرتفعة والهبات القوية للرياح، مشيراً إلى أن هذه العوامل أسهمت في الانتشار السريع للنيران وصعّبت مهمة السيطرة عليها.
جيجل في مواجهة النيران
وفي ولاية جيجل، سجلت مصالح الحماية المدنية 13 حريقاً، في وقت لا يزال فيه الوضع تحت المراقبة المستمرة تحسباً لعودة اشتعال بعض البؤر التي جرى إخمادها.
وأكد المسؤول أن فرق التدخل تواصل متابعة المناطق المتضررة، خصوصاً تلك التي لا تزال تشهد نشاطاً محدوداً للنيران أو تحتوي على بقايا جمر قد تؤدي إلى اندلاع حرائق جديدة.
تعبئة واسعة لفرق الإنقاذ
ومع اتساع رقعة الحرائق، عززت السلطات الموارد البشرية واللوجستية المخصصة لعمليات الإطفاء، حيث جرى استدعاء مفارز دعم إقليمية، من بينها فرق من ولاية سطيف والوحدة الوطنية للتدريب والتدخل.
كما أرسلت ولايات أخرى تعزيزات إضافية بعد تحسن الوضع في المناطق التي شهدت حرائق خلال الفترة السابقة، بهدف دعم عمليات الإخماد ومنع تجدد النيران.
وفي ذروة عمليات التدخل، جرى حشد أكثر من 520 عوناً، إلى جانب نشر 56 شاحنة إطفاء في مختلف المناطق وخطوط التدخل.
إجلاء السكان مع اقتراب النيران
ولم تقتصر تداعيات الحرائق على المناطق الغابية، إذ امتدت ألسنة اللهب في عدد من المواقع إلى محيط المناطق السكنية، مما دفع السلطات إلى إجلاء عشرات الأشخاص من المناطق المهددة، حفاظاً على سلامتهم.
وتأتي عمليات الإجلاء في ظل مخاوف من تغير اتجاه الرياح واتساع رقعة النيران، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين الغطاء الغابي والتجمعات السكنية.
حرائق تتكرر كل صيف
وتشهد مناطق شمال الجزائر بصورة متكررة حرائق غابات خلال فصل الصيف، في ظاهرة تزداد حدتها مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار وتكرر فترات الجفاف.
وكانت ولاية بجاية ومناطق أخرى من شمال شرق البلاد قد شهدت في يوليو/تموز 2023 حرائق مدمرة أودت بحياة أكثر من 30 شخصاً، وتسببت في تدمير آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، فضلاً عن أضرار لحقت بمئات المنازل.
ويحذر خبراء من أن ارتفاع درجات الحرارة وتكرر موجات الجفاف، المرتبطين بالتغير المناخي، يزيدان من قابلية الغطاء النباتي للاشتعال ويجعلان السيطرة على الحرائق أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتزامن الحرارة المرتفعة مع الرياح القوية.
فرضيات بشأن أسباب اندلاع الحرائق
وفي ظل اتساع رقعة الحرائق وتزامن اندلاع عدد منها في مناطق متفرقة، تبرز أيضاً تساؤلات بشأن احتمال وجود أعمال متعمدة تقف وراء بعض هذه الحرائق، وسط فرضيات تتحدث عن جهات قد تكون مولت أو شجعت على إشعالها لتحقيق أهداف معينة. غير أن هذه الفرضيات تظل، في الوقت الراهن، غير مثبتة رسمياً، ولا يمكن الجزم بوجود جهة منظمة تقف وراء الحرائق قبل انتهاء التحقيقات التي تجريها السلطات المختصة.
وتعكف أجهزة الأمن والحماية المدنية على تحديد أسباب اندلاع الحرائق، بما في ذلك ما إذا كانت ناجمة عن عوامل طبيعية أو بشرية، أو عن أفعال متعمدة. ويكتسب تحديد مصدر الشرارة الأولى أهمية خاصة في ظل تزامن الحرائق مع ظروف مناخية قاسية، تجعل أي حريق محدود قابلاً للتحول خلال وقت قصير إلى بؤرة واسعة يصعب احتواؤها.
خسائر تتكشف مع انحسار النيران
ومع استمرار فرق الحماية المدنية في التعامل مع البؤر المتبقية، تبقى الخسائر البشرية والمادية محور الاهتمام، في انتظار تقييم أكثر شمولاً للأضرار التي خلفتها الحرائق.
وبينما تتواصل عمليات الإخماد والمراقبة، تواجه السلطات تحدياً مزدوجاً يتمثل في احتواء النيران الحالية ومنع تجددها، إلى جانب تقييم الأضرار التي لحقت بالسكان والممتلكات والموارد الطبيعية في المناطق المتضررة.






