بعد سنوات من المراحل الانتقالية المتعاقبة، لا تزال ليبيا تبحث عن صيغة تنهي الانقسام السياسي والمؤسسي وتفتح الطريق أمام انتخابات تنقل البلاد إلى مرحلة جديدة من الاستقرار. وبينما تعاقبت الحكومات وتعددت مراكز القرار، بقي الاستحقاق الانتخابي مؤجلاً، في مشهد أعاد طرح سؤال أساسي: كيف يمكن منع المرحلة الانتقالية من التحول إلى وضع دائم؟
في هذا السياق، يطرح المشروع الحضاري النهضوي الليبي رؤية تقوم على أن تكون المرحلة الانتقالية محددة الأهداف والمدة، وأن تنحصر مهمتها في تهيئة الظروف السياسية والأمنية والقانونية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، بدلاً من أن تتحول إلى صيغة مستمرة لإدارة السلطة.
مرحلة مؤقتة بأهداف محددة
وتقترح الرؤية أن تمتد المرحلة الانتقالية لفترة تتراوح بين 12 و18 شهراً كحد أقصى، على أن تتولى خلالها حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة إدارة شؤون البلاد.
وبحسب المشروع، تتركز مهمة هذه الحكومة في عدد من الملفات الأساسية، في مقدمتها توحيد مؤسسات الدولة، وتحسين الوضعين الأمني والاقتصادي، ودفع مسار المصالحة الوطنية، إلى جانب استكمال الترتيبات القانونية والإدارية التي تسبق الانتخابات.
كما تنص الرؤية على ألا تتحول الحكومة الانتقالية إلى طرف في التنافس السياسي، أو تنخرط في مشاريع طويلة الأمد تتجاوز طبيعة المرحلة المؤقتة.
بناء المؤسسات قبل الانتخابات
ويرى أصحاب المشروع أن إجراء الانتخابات في ظل استمرار الانقسام وضعف مؤسسات الدولة قد لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الأزمة، بل يمكن أن يفتح الباب أمام خلافات جديدة حول النتائج والشرعية.
ومن هذا المنطلق، تركز الرؤية على تهيئة البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير محدد.
وتتمثل الأولوية، وفق هذه المقاربة، في الوصول إلى مؤسسات دولة موحدة وقواعد انتخابية واضحة وبيئة تسمح للناخبين بالتعبير عن إرادتهم بعيداً عن الضغوط والانقسامات.
من الشرعيات المؤقتة إلى شرعية الصندوق
وتطرح الرؤية الانتخابات باعتبارها نقطة انتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء المؤسسات المنتخبة.
فالمطلوب، وفق المشروع، ليس مجرد تنظيم عملية انتخابية، وإنما الوصول إلى سلطة تستمد شرعيتها من الشعب، وتعمل ضمن مؤسسات موحدة وقواعد دستورية وقانونية مستقرة.
وبذلك تصبح الانتخابات، في تصور المشروع، بداية لمرحلة جديدة وليست نهاية لمسار سياسي مؤقت.
المواطن في انتظار الدولة
وبعيداً عن التجاذبات السياسية، تبقى الأزمة الليبية بالنسبة للمواطن مرتبطة بصورة مباشرة بقدرته على الحصول على الأمن والخدمات واستقرار مؤسسات الدولة.
فاستمرار المراحل الانتقالية وتعدد الحكومات والمؤسسات ينعكس على الحياة اليومية، ويعمق حالة عدم اليقين بشأن مستقبل البلاد.
ولهذا، تدعو الرؤية إلى وضع خارطة طريق واضحة، تتضمن أهدافاً محددة وجدولاً زمنياً معلناً، بحيث تكون مهمة السلطة الانتقالية الأساسية هي إنهاء المرحلة الانتقالية نفسها.
اختبار جديد أمام ليبيا
وتواجه هذه الرؤية تحدياً أساسياً يتمثل في قدرة الأطراف السياسية على الاتفاق على قواعد المرحلة الانتقالية، وضمان عدم تحول المؤسسات المؤقتة إلى أدوات جديدة للصراع على السلطة.
فنجاح أي مرحلة انتقالية لا يرتبط فقط بتحديد مدتها، وإنما بوجود إرادة سياسية لإنهائها، وبضمانات تمنع إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.
وبينما تواصل ليبيا البحث عن مخرج من أزمتها الممتدة، يبقى السؤال المطروح: هل تستطيع البلاد تحويل المرحلة الانتقالية من مسار مفتوح إلى جسر قصير يقود فعلياً إلى انتخابات ومؤسسات شرعية مستقرة؟
ذلك هو الاختبار الذي سيحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستكون بداية لبناء الدولة، أم حلقة جديدة في سلسلة المراحل الانتقالية التي لم تنتهِ بعد.






