تعكس قراءات المحللين الإسرائيليين لحرب إسرائيل على إيران حالة من الشك المتزايد في جدوى التصعيد العسكري وقدرته على تحقيق أهدافه المعلنة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على إضعاف النظام الإيراني أو تغيّر موازين القوى بشكل جوهري. فبرغم كثافة الضربات والاغتيالات، لا يبدو أن الاستراتيجية العسكرية نجحت في إحداث اختراق سياسي أو أمني، ما يطرح تساؤلات حول حدود القوة العسكرية في حسم صراعات معقدة ومتشابكة.
وفي هذا السياق، تبرز ملامح تحوّل في الخطاب السياسي الإسرائيلي، مع إعادة تعريف مفهوم “الانتصار” وتعديل الأهداف بما يتناسب مع واقع ميداني أقل من التوقعات. كما تكشف هذه المراجعات عن مخاوف من استنزاف طويل الأمد، خاصة مع تعدد الجبهات وتزايد الضغوط الدولية والداخلية، ما قد يضع القيادة الإسرائيلية أمام تحديات استراتيجية تتجاوز حسابات الحرب إلى مستقبل التوازنات الإقليمية برمّتها.
خسائر اقتصادية تؤدي إلى تآكل الدعم الأميركي
الحرب رغم شدتها و”الإنجازات” الإسرائيلية – الأميركية في الهجمات على إيران، إلا أنها لم تؤد إلى فرار عناصر من قوات الأمن الإيرانية، كما أن الجماهير الإيرانية لم تخرج إلى الشوارع ضد النظام، بينما في الولايات المتحدة تتزايد الانتقادات ضد الحرب. وفي إسرائيل يدركون أن إطالة الحرب، خاصة إذا رافقتها خسائر اقتصادية، سيؤدي إلى تآكل الدعم الأميركي، “وهذا وضع من شأنه أن يقيد حرية عمل إسرائيل لاحقا”. حسب المحلل العسكري في صحيفة “يسرائيل هيوم”، يوآف ليمور.
وأشار المحلل الأمني في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، رونين بيرغمان، إلى أن “نتنياهو ينجح بقراءة الخارطة أسرع من الجميع. وهو يدرك منذ أسبوع أن الهجوم على إيران لا يحقق الأهداف التي وُضعت له، بكل ما يتعلق بمن سيحكم في إيران. وإذا كان الهجوم لا يجري كما هو مخطط له، فإنه لن يجلب أيضا الثمار لنتنياهو داخل إسرائيل، ولا يؤدي إلى نضوج الثمار السياسية بانتقال ناخبين إلى دعمه ودعم حزب الليكود، وإلى ارتفاع نسبة التأييد لنتنياهو كرئيس الحكومة القادم”.
وأضاف أن النظام الإيراني لم يهتز بعد اغتيال الزعيم الأعلى، علي خامنئي، “وبدلا من الحرج والهزيمة، رد حرس الثورة بهجوم بكل القوة؛ المتظاهرون لم يخرجوا إلى الشوارع؛ حزب الله انضم بشكل كامل ولم يكتف بإطلاق النار كضريبة عضوية في محور المقاومة؛ وفي الولايات المتحدة نشأت انتقادات عامة غير مسبوقة على ما بدى أنه انجرار لحرب فيما لا يوجد خطر واضح على مصالحها؛ أزمة طاقة قد تندلع بسبب إغلاق مضيق هرمز؛ اليورانيوم المخصب بقي لدى الإيرانيين. وكان نتنياهو أول من رصد ذلك”. حسب عرب 48.
خدعة نتنياهو بالخطر الوجودي على إسرائيل
وتابع بيرغمان أنه “عندما أدرك نتنياهو أن احتمال تحقيق أهداف الحرب ضئيل جدا، سارع إلى الرد وغيّر بكل بساطة الأهداف والإستراتيجية والوصف للنجاح. لقد غير نتنياهو المفهوم الأمني – الإستراتيجي الإسرائيلي من النقيض إلى النقيض، وأعاد صياغة تعريف الانتصار، وما هو الخطر، وكيف ينبغي ضمان استمرار وجود دولة إسرائيل”.
وأشار بيرغمان إلى أنه خلال الحرب السابقة على إيران، في حزيران/يونيو الماضي، استخدم نتنياهو مرارا وتكرارا عبار “خطر وجودي” على إسرائيل وأحيانا “خطر وجودي داهم”، في إشارة إلى البرنامج النووي الإيراني والصواريخ البالستية، بينما هو لا يستخدم هذه العبارة في الحرب الحالية “التي شنّها من أجل إحباط الخطر الوجودي نفسه” الذي ادعى نتنياهو وترامب أنهما أحبطاه في الحرب السابقة.
وأضاف أن “نتنياهو شرح أيضا لماذا لم يعد يتحدث عن خطر وجودي”، وذلك لأنه “ببساطة اتضح فجأة أنه ليس مهما كثيرا، لأن ’التهديدات تتعالى وتزول’، كعملية طبيعية تحدث في كل مكان ولا ينبغي التأثر بها”.
بوتيرة الأحداث هذه يصل نتنياهو إلى الانتخابات مع ثلاث جبهات قتال لا شيء فيها منتهِ: ليس في غزة حيث تسيطر حماس؛ وليس في لبنان حيث لا يزال حزب الله القوة العسكرية والسياسية الأقوى في الدولة؛ وليس في إيران حيث أبعدتها الحرب السابقة بأكثر السيناريوهات تفاؤلا بضعة أشهر عن القنبلة في الحد الأقصى”. وفقا لبيرغمان.
نتنياهو وفكرة الانتصار المطلق
وأضاف أنه “في وضع لا تبدو فيه نهاية في أي جبهة، يدفن نتنياهو عمليا فكرة ’الانتصار المطلق’ ويوضح أنه لا يوجد أمر كهذا، وأن ثمة إمكانية لحروب أخرى بكل تأكيد. وهذا هو الوقت الملائم بالنسبة له لاستلال أهداف جديدة للحرب وليذهب الخطر النووي أو الصاروخي إلى الجحيم، المهم أن يكون بالإمكان الإعلان عن انتصار”.
ينبغي أن نتذكر أن النظام يظهر حتى الآن مناعة نسبية إلى جانب جهوزية للقتال. ولكل واحد من القياديين الذين قُتلوا عُين بديل، وأحيانا بديل للبديل أيضا إذا قُتل بعده. ويدير إيران منذ أربعة عقود جهاز ذكي ووحشي ولا يساوم. وهذه ليست منظمة إرهابية بالإمكان قطع رأسها وبذلك شل قدرتها على العمل”. حسب المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل.






