بين ليلة وضحاها، تحوّل علي لاريجاني من أحد أكثر رجال الدولة نفوذًا في إيران إلى اسم يتصدر مشهد الاغتيالات السياسية في المنطقة، في تطور يعكس تصعيدًا غير مسبوق في استهداف البنية القيادية للنظام الإيراني. وبينما أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عن العملية، لا يزال الغموض يلف الموقف الرسمي في طهران، في صمت يعكس حساسية اللحظة وتعقيداتها.
لم يكن لاريجاني مجرد مسؤول عادي، بل أحد مهندسي القرار الإيراني في أكثر مراحله دقة، حيث جمع بين الخلفية الأمنية والحنكة السياسية والعمق الفكري. فمنذ انضمامه إلى الحرس الثوري في ثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بإدارته لهيئة الإذاعة والتلفزيون، ووصولًا إلى رئاسته للبرلمان وقيادته لملفات الأمن القومي والتفاوض النووي، ظل حاضرًا في قلب الدولة العميقة.
ينتمي لاريجاني إلى عائلة نافذة، لطالما وُصفت بأنها من أكثر العائلات تأثيرًا في الجمهورية الإسلامية، ما منحه شبكة نفوذ ممتدة داخل مؤسسات الحكم، وجعل منه لاعبًا يصعب تجاوزه في معادلة السلطة.
ضربة تتجاوز الشخص إلى المنظومة
اغتيال لاريجاني، في هذا التوقيت تحديدًا، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن مرحلة انتقالية حساسة داخل هرم القيادة الإيرانية. فالرجل لم يكن مرشحًا تقليديًا للقيادة الدينية، لكنه كان، عمليًا، أحد أبرز من يديرون مفاصل القرار السياسي والأمني.
وتكمن خطورة غيابه في كونه يمثل حلقة وصل بين عدة مستويات داخل النظام: القيادة العليا، المؤسسة العسكرية، والدبلوماسية. وهو ما يعني أن استهدافه لا يضرب شخصًا بعينه بقدر ما يهز توازنات دقيقة داخل بنية الحكم.
غير أن التجربة الإيرانية مع الاغتيالات تشير إلى أن النظام، رغم تلقيه ضربات موجعة في السابق، أظهر قدرة لافتة على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب صفوفه. فطبيعة النظام القائمة على تعدد مراكز القوة تجعله أقل عرضة للانهيار نتيجة غياب شخصية واحدة، مهما بلغ وزنها.
بين الفراغ وإعادة إنتاج القيادة
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: هل يمكن تعويض لاريجاني؟
الإجابة ليست بسيطة. فالرجل كان حالة مركبة تجمع بين السياسي البراغماتي، والمسؤول الأمني، والمفكر الأكاديمي المتأثر بفلسفة إيمانويل كانط، وهو مزيج نادر داخل النخبة الإيرانية.
ومع ذلك، لا يُتوقع أن يترك غيابه فراغًا طويل الأمد. فالنظام الإيراني يمتلك تقليدًا راسخًا في إعادة إنتاج النخب، سواء عبر الدفع بشخصيات من الحرس الثوري أو من التكنوقراط السياسيين المقربين من دوائر القرار. لكن الفارق قد يكمن في الشكل، إذ قد يتم تعويضه عبر توزيع أدواره على عدة شخصيات بدلًا من تركيزها في يد واحدة.
هذا التحول، إن حدث، قد يعيد تشكيل طريقة اتخاذ القرار داخل طهران، من نموذج يعتمد على شخصيات محورية إلى نموذج أكثر جماعية، لكنه ربما أقل مرونة في المدى القصير.
تداعيات محتملة: نحو تشدد أم براغماتية جديدة؟
غياب لاريجاني، المعروف بميله إلى البراغماتية ودعمه لاتفاق 2015 النووي، قد يفتح الباب أمام صعود تيارات أكثر تشددًا داخل النظام، خاصة في ظل الضغوط الخارجية والتصعيد العسكري. وفي المقابل، قد تدفع الحاجة إلى الاستقرار إلى البحث عن شخصية تحمل النهج ذاته، حفاظًا على التوازن بين العقيدة والمصالح.
في كلتا الحالتين، يبدو أن طهران تدخل مرحلة إعادة تموضع، حيث لن يكون السؤال فقط عن من يخلف لاريجاني، بل عن طبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه إيران نحو مزيد من الانغلاق والتصعيد، أم تعيد إنتاج براغماتيتها بصيغة جديدة؟
النظام أقوى من الأفراد… لكن الثمن يتغير
رغم رمزية الضربة، لا يبدو أن اغتيال لاريجاني كفيل بإحداث شلل في القرار الإيراني. فالنظام، الذي صُمم ليكون متماسكًا أمام الأزمات، سيجد طريقه لإعادة التوازن. لكن ذلك لا يعني أن الأمور ستعود كما كانت.
فالخسارة هنا ليست فقط في شخص، بل في نمط قيادة كان يجمع بين التعقيد والمرونة. ومع غيابه، قد تتغير طريقة إدارة الملفات الحساسة، وقد تدخل إيران مرحلة يكون فيها القرار أكثر حذرًا… وربما أكثر حدة.






