عاد الجدل حول علاقة الجيش السوداني بالحركة الإسلامية إلى الواجهة، لكن هذه المرة في سياق دولي يتجاوز حدود السياسة الداخلية، بعدما كشفت تسريبات منسوبة للقيادي الإسلامي عثمان محمد يوسف كِبِر عن مستوى عميق من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، لا سيما المؤسسة العسكرية.
إعادة التموضع السياسي
وبحسب ما ورد، فإن العلاقة لا تقتصر على تحالف سياسي، بل تمتد إلى التأثير في مراكز صنع القرار، بما في ذلك صعود قيادات عسكرية بارزة مثل الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
وأشارت تقارير دولية حديثة إلى انخراط عناصر من الحركة الإسلامية في المجهود الحربي إلى جانب الجيش، عبر المشاركة في القتال والتعبئة والتدريب، وهو ما يعكس محاولة لإعادة التموضع السياسي عبر بوابة الحرب.
كما برزت تشكيلات مسلحة ذات خلفية أيديولوجية، أبرزها “كتيبة البراء بن مالك”، التي تقاتل ميدانيا إلى جانب القوات النظامية، في مؤشر على تداخل متزايد بين الجيش وشبكات غير رسمي.
من ملف داخلي إلى تهديد بالعقوبات
وتزامن هذا الواقع مع تحركات أمريكية لتصنيف الحركة الإسلامية وأذرعها ضمن قوائم الإرهاب، وهو ما يفتح الباب قانونيا أمام استهداف أي جهة تتعامل معها.
وبذلك، لم تعد القضية شأنا سودانيا داخليا، بل تحولت إلى ملف مرتبط بالأمن الإقليمي والسياسة الدولية، مع تصاعد التدقيق في طبيعة العلاقة بين الجيش وهذه الجماعات.
ويرى خبراء أن القوانين الأمريكية، خاصة تلك التي يديرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، تتيح فرض عقوبات على جيوش ومؤسسات دفاعية، مستشهدين بسوابق مثل ميانمار، وتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية.
ومع ذلك، يؤكد مختصون أن استهداف الجيوش ككل يظل خيارا نادرا، ولا يتم اللجوء إليه إلا في حالات قصوى وبعد استنفاد المسارات السياسية.
لماذا تتجنب الدول معاقبة الجيوش؟
وتتريث القوى الدولية في هذا المسار لعدة أسباب، أبرزها أن الجيوش تمثل طرفا رئيسيا في أي تسوية سياسية، واستهدافها قد يؤدي إلى إغلاق قنوات التفاوض.
كما أن إضعاف المؤسسة العسكرية في دول تعاني نزاعات قد يقود إلى انهيار الدولة، وهو سيناريو تسعى القوى الدولية لتفاديه، لذلك تميل العقوبات غالبا إلى استهداف أفراد أو كيانات محددة بدلا من المؤسسة بالكامل.
ويصبح هذا السيناريو أكثر ترجيحا في حال إثبات وجود علاقة مباشرة وممنهجة بين الجيش وجماعات مصنفة إرهابية.
وفي الحالة السودانية، يرتبط ذلك بمدى استمرار التنسيق مع الحركة الإسلامية وكتائبها المسلحة، خاصة مع مشاركة تشكيلات مثيرة للجدل في العمليات القتالية.
مسار تصاعدي للضغوط الدولية
وحتى الآن، لا يبدو أن فرض عقوبات شاملة على الجيش السوداني خيار وشيك، إلا أن المؤشرات تعكس تصاعدا تدريجيا في مستوى الضغط الدولي.
ومع توسع نطاق العقوبات ليشمل شبكات وأفرادا مرتبطين بالإسلاميين، فإن استمرار الوضع الراهن دون تغييرات واضحة قد يدفع نحو خطوات أكثر حدة في المستقبل.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يقف الجيش السوداني أمام اختبار حقيقي: إما إعادة تقديم نفسه كمؤسسة وطنية مستقلة بعيدا عن أي نفوذ أيديولوجي، أو مواجهة مسار تصاعدي من الضغوط قد ينتهي بعقوبات تمس المؤسسة ذاتها، وهو سيناريو يحمل تداعيات عميقة على مستقبل الدولة السودانية.






