تشهد الساحة اللبنانية تصعيدًا عسكريًا لافتًا، مع تقدم العمليات الإسرائيلية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تستهدف فرض واقع ميداني جديد في الجنوب، بالتوازي مع الضغط على العاصمة بيروت.
ويعكس هذا التصعيد تحولًا في طبيعة المواجهة، من ضربات محدودة إلى استراتيجية تهدف لإعادة رسم خطوط السيطرة على الأرض.
عزل جنوب الليطاني
في هذا السياق، بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات لعزل منطقة جنوب نهر نهر الليطاني عن شمالها، عبر استهداف جسور حيوية تُستخدم كخطوط إمداد رئيسية.
وتقول تل أبيب إن هذه الخطوة تستهدف منع نقل المقاتلين والأسلحة، في ظل معركة برية تتصاعد وتيرتها للتوغل داخل جنوب لبنان، والسيطرة على مناطق استراتيجية.
ولم تقتصر الضربات على الجنوب، بل امتدت إلى قلب العاصمة، حيث شهدت بيروت سلسلة غارات مكثفة طالت محيط وسط المدينة، بما في ذلك منطقة الباشورة.
وخلال ساعات قليلة، تم تنفيذ عدة استهدافات، أسفرت عن موجات نزوح جديدة، في مؤشر واضح على محاولة الضغط على الداخل اللبناني واختبار قدرته على الصمود في ظل التصعيد.
زيارة جون بارو
ويأتي هذا التصعيد العسكري في وقت تتسارع فيه الجهود الدبلوماسية، حيث تستعد باريس للتحرك عبر زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى كل من بيروت وتل أبيب، في محاولة لفتح قنوات حوار قد توصف بـ«التاريخية» بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
وتتمحور التحركات الفرنسية حول خطة تهدف إلى وقف إطلاق النار، وتهيئة مسار لنزع سلاح حزب الله بشكل تدريجي ومنظم، إلى جانب الدفع نحو صيغة تعايش مستقبلي بين الطرفين.
إلا أن هذه الأفكار لم ترتقِ بعد إلى مستوى مبادرة رسمية، خاصة في ظل غياب رد إسرائيلي واضح عليها حتى الآن.
مزيد من التعقيد
وفي المجمل، يبدو أن المشهد يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث يسبق التصعيد العسكري أي اختراق سياسي محتمل، ما يضع لبنان أمام اختبار صعب بين ضغوط الميدان وتعقيدات التفاوض، وسط مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مرحلة أكثر خطورة في الأيام المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد مستمر على الجبهة الجنوبية للبنان منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة أواخر عام 2023، حيث تحوّلت الحدود بين لبنان وإسرائيل إلى ساحة اشتباك يومي بين الجيش الإسرائيلي وعناصر حزب الله.
ومع مرور الوقت، توسعت رقعة المواجهات من عمليات محدودة إلى ضربات أكثر عمقًا داخل الأراضي اللبنانية، ما يعكس تغيرًا في قواعد الاشتباك ومحاولة كل طرف فرض معادلات ردع جديدة.
خطأ استراتيجي في الصراع
ويُعد نهر نهر الليطاني خطًا استراتيجيًا في الصراع، إذ سبق أن نصّ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الصادر بعد حرب 2006، على خلو المنطقة الواقعة جنوبه من أي مظاهر مسلحة غير تابعة للدولة اللبنانية، إلا أن الواقع الميداني خلال السنوات الماضية شهد تعقيدات كبيرة، مع استمرار وجود ونشاط حزب الله في تلك المناطق، ما يجعل أي تحرك عسكري إسرائيلي في هذا النطاق يحمل أبعادًا سياسية وأمنية حساسة.
وفي المقابل، تسعى قوى دولية، خاصة فرنسا، إلى إحياء المسار الدبلوماسي لمنع انزلاق الأوضاع إلى حرب شاملة، مستفيدة من علاقاتها مع الأطراف اللبنانية والإسرائيلية.
غير أن تعثر المبادرات وغياب توافق دولي واضح، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية، يضعف فرص التهدئة، ويجعل المشهد مفتوحًا على سيناريوهات تصعيد أوسع قد تمتد تداعياته إلى كامل المنطقة.






